أزمة استبدال العملة السورية: غموض في الكتلة النقدية أم عجز إداري؟
تواجه عملية استبدال العملة السورية تعثراً واضحاً يضع كفاءة الإدارة المصرفية على المحك ويثير تساؤلات عميقة حول الحجم الحقيقي للكتلة النقدية المتداولة فبعد مرور أكثر من خمسة أشهر على إطلاق العملية وثلاثة تمديدات متتالية لا تزال الليرة القديمة تفرض هيمنتها على التعاملات اليومية في أسواق دمشق وحلب وباقي المحافظات ويترافق هذا المشهد مع تحرج مصرف سوريا المركزي من تقديم إجابات حاسمة حول أسباب هذا التأخير ومصير الكتلة النقدية التي تُقدّر دفاتر المصرف قيمتها بـ 42 تريليون ليرة سورية دون معرفة أماكن تواجدها الدقيقة
مسيرة التمديدات وتراجع وتيرة الاستبدال
انطلقت هذه العملية في الأول من كانون الثاني يناير 2026 بناءً على إعلان رسمي أصدره حاكم مصرف سوريا المركزي السابق عبد القادر الحصرية في 29 كانون الأول ديسمبر 2025 وحدد الحصرية آليات العملة الجديدة موضحاً أن الكتلة النقدية المستهدفة تبلغ 42 تريليون ليرة وتتكون من نحو 13 مليار قطعة نقدية تضخمت بشكل قياسي منذ عام 2011 حين كانت لا تتجاوز تريليوناً واحداً ووعد المركزي حينها بإنجاز المهمة خلال 90 يوماً فقط كمدة أولى قابلة للتمديد
وتشير البيانات الرسمية المتلاحقة إلى مسار اتسم بالتباطؤ وتكرار المهل ففي 24 شباط فبراير 2026 أعلن المركزي عن استبدال 35% من الكتلة النقدية بواقع 13 تريليون ليرة ليعقب ذلك صدور التمديد الأول في 2 آذار مارس 2026 لمدة 60 يوماً إضافية تنتهي بأواخر أيار مايو 2026 ومع حلول أوائل شهر مايو أعلن المصرف أن نسبة الاستبدال بلغت 56% لتبدأ سلسلة من التمديدات القصيرة حيث تقرر في 1 مايو 2026 منح تمديد ثانٍ لمدة 30 يوماً حتى 30 حزيران يونيو 2026 تلاه سريعاً التمديد الثالث في 31 مايو 2026 ليمدد المهلة 30 يوماً أخرى تنتهي في 30 تموز يوليو 2026
وفي قراءة تحليلية لهذه الأرقام أكد الخبير المالي رشاد الصالح في تصريح خاص لـ ”963+“ أن المعادلة الرقمية واضحة وتكشف قصة مغايرة للوعود الرسمية إذ تجاوزت العملية حاجز الخمسة أشهر دون اكتمال وسيرفع التمديد الثالث الإجمالي إلى أكثر من سبعة أشهر
ونوه الصالح بأن البيانات تعني بقاء 44% من الكتلة المعلنة أي نحو 18.5 تريليون ليرة قديمة خارج المنظومة المصرفية لافتاً إلى أن وتيرة العمل تراجعت بشكل حاد حيث تم استبدال 35% في أول شهرين ونصف بينما لم ينجز المركزي سوى 21% في الشهرين التاليين مما يثبت وجود تعثر حقيقي في إقبال المواطنين وليس مجرد أزمة لوجستية
فرضية النقود المطبوعة في الظلام والعوامل البنيوية
يرى الخبير رشاد الصالح في حديثه أن هناك فرضية خطيرة تتعلق بوجود نقود طُبعت في الظلام مستنداً إلى تصريح لافت لحاكم المصرف المركزي أدلى به لقناة الجزيرة في كانون الثاني يناير 2026
وأشار فيه إلى أن دفاتر المركزي تسجل 42 تريليون ليرة لكن لا أحد يعرف أين هي على وجه التحديد بسبب تداعيات الحرب
ويطرح هذا التصريح تساؤلات حول احتمالية طباعة كميات من العملة خارج السجلات الرسمية لاستنزاف احتياطيات النقد الأجنبي لصالح رموز النظام السابق ويستدل الصالح على ذلك بتضخم الإصدار النقدي بمقدار 42 ضعفاً في 13 عاماً رغماً عن انكماش الاقتصاد وبقاء 44% من العملة خارج التداول المصرفي رغم توفير أكثر من ألف منفذ مجاني للاستبدال مما يجعل الاستمرار في التمديد مع ادعاء تحقيق تقدم جيد أمراً متناقضاً
وبعيداً عن فرضية الطباعة غير الموثقة يوضح الصالح وجود عوامل بنيوية أسهمت في هذا التأخير وتتمثل في الجغرافيا المعقدة وغياب المؤسسات الموحدة حيث تخضع منطقة شمال شرق سوريا لإدارة مختلفة منذ سنوات وتتجذر فيها أسواق بدائل نقدية مما يضطر المركزي لمعالجة خصوصية الاستبدال في الرقة والحسكة بمعايير مختلفة بالإضافة إلى عامل الخوف والاكتناز التاريخي جراء انعدام ثقة المواطن السوري بالمؤسسات المالية وتفضيله الاحتفاظ بأمواله خارج القنوات الرسمية فضلاً عن وجود مخزون خارجي من الليرة بحوزة اللاجئين والمغتربين والتجار الإقليميين يصعب الوصول إليه وتأتي بنية التحتية المصرفية الضعيفة لتزيد المشهد تعقيداً في ظل عمل المصارف بطاقة محدودة وافتقار بعض الأرياف لأي تمثيل مصرفي
وينبه الصالح إلى التبعات الاقتصادية معتبراً أن وجود كتلة نقدية فعلية أكبر من المسجلة يعني مواجهة المركزي لضغط تضخمي مخفي وحدد ثلاثة احتمالات للمشهد الحالي أولها صحة رقم الـ 42 تريليوناً مع بطء ناتج عن العقبات اللوجستية وسلوك الاكتناز وثانيها وجود كتلة إضافية غير مسجلة طُبعت سابقاً وتتطلب تحقيقاً مستقلاً وثالثها تعرض جزء من الكتلة للتلف والضياع خلال الحرب وهو سيناريو إيجابي تقنياً لكن يصعب إثباته لتشير الأرقام في النهاية إلى نقص في الكفاءة التشغيلية أو وجود كتلة مخفية أو الأمرين معاً
خارطة طريق لمعالجة الأزمة المتفاقمة
طرح المصرفي السوري المقيم في الخليج عامر المحمد في تصريحات أدلى بها لـ ”963+“ مجموعة من الإجراءات الضرورية الواجب اتخاذها بشكل عاجل بغض النظر عن الأسباب الحقيقية وراء تأخر الاستبدال وجاء في مقدمة هذه الخطوات إلزامية إجراء مراجعة مستقلة وشاملة للبيانات النقدية وسجلات الإصدار عبر هيئة مستقلة أو جهة دولية متخصصة لضمان الشفافية وحيادية التقييم
وشدد المحمد على ضرورة قيام المركزي بالإفصاح التفصيلي عن نسب الاستبدال الجغرافي لتحديد المناطق المتعثرة وإطلاع الرأي العام عليها مع إعداد أدوات مالية جاهزة لامتصاص السيولة الزائدة مثل السندات الحكومية قصيرة الأجل أو آليات الإيداع المحفزة وطالب بوضع موعد نهائي صارم وغير قابل للتفاوض لإنهاء العملية لأن التمديدات المتكررة تكرس انطباعاً سلبياً بأن الإدارة المصرفية الجديدة تتبع نفس الأساليب التشغيلية السابقة
واختتم المحمد تصريحاته بالإشارة إلى أن استبدال الليرة السورية يتجاوز كونه إجراءً تقنياً بل يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسة النقدية الجديدة على التخطيط والشفافية مبيناً أن الأرقام الرسمية التي تعلن استبدال 56% تعجز عن تفسير أسباب بقاء 44% ومصدرها الفعلي وما إذا كانت تقع ضمن الـ 42 تريليوناً المعلنة حيث تعد الإجابة عن هذه الأسئلة ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد السوري في مرحلة التعافي وليس مجرد ترف صحفي.
اقرأ أيضاً:مخاض العملة الجديدة في سوريا: بطء في التداول ومخاوف من انكماش اقتصادي طويل الأمد
اقرأ أيضاً:مصرف سوريا المركزي يعلن تمديد فترة استبدال العملة حتى نهاية حزيران 2026