التمديد الثاني لاستبدال العملة السورية.. مرونة إجرائية أم اعتراف بتعثر التنفيذ؟
أعلن مصرف سوريا المركزي عن تمديد مهلة استبدال العملة للمرة الثانية لتستمر حتى نهاية حزيران 2026 في خطوة يراها مراقبون انعكاساً لتعثر فعلي في التنفيذ أكثر من كونها مجرد “مرونة تنظيمية”
حيث تأتي هذه الخطوة وسط ضغوط متزايدة على البنية المصرفية وضعف ملحوظ في الاستجابة مما يثير شكوكاً واسعة حول الجاهزية الفنية وثقة المتعاملين بالمنظومة المصرفية
ورغم أن المصرف المركزي يقدم هذا التمديد كإجراء لتسهيل العملية على المواطنين إلا أن استمرار الاختناقات وتباطؤ وتيرة الاستبدال يضعفان هذا التبرير ويعيدان طرح تساؤلات جوهرية حول جدوى الإجراء في ظل غياب أدوات فعالة لضبط السيولة النقدية.
فجوة بين الأهداف والواقع الميداني
صرح حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية لصحيفة (عنب بلدي) المحلية بأن التمديد يمثل ضرورة إجرائية تهدف لتسهيل عملية الاستبدال عبر فروع المصارف وفق شروط محددة غير أن هذا الطرح الرسمي يصطدم بواقع ميداني مختلف تماماً حيث تكشف المؤشرات عن فجوة واضحة بين الأهداف المعلنة وقدرة البنية المصرفية على التنفيذ الفعلي في ظل بطء تدفق السيولة الجديدة ومحدودية مراكز الاستبدال المتاحة
ويربط خبراء اقتصاديون هذا القرار بوجود خلل عميق شابت المرحلة الأولى وتمثل في الازدحام الشديد داخل الفروع ورفض بعض المراكز تنفيذ العمليات بالإضافة إلى نقص الكوادر المؤهلة والتجهيزات التقنية اللازمة.
وفي هذا السياق يشير الخبير الاقتصادي فراس شعبو إلى أن التمديد رغم كونه يخفف الضغط نسبياً عن المواطنين إلا أنه يعكس ضمناً عدم تحقق الأهداف المرحلية التي وضعها المصرف ويمنح المؤسسات المالية وقتاً إضافياً لمعالجة اختناقات كان يفترض تلافيها منذ البداية
ومن جهته يرى المحلل الاقتصادي شادي سليمان لذات المصدر أن القرار يخفف الأعباء عن شرائح واسعة لكنه في المقابل قد يطيل حالة الترقب والقلق في الأسواق ويفتح الباب أمام ممارسات غير رسمية مثل المضاربة واستغلال فروقات الصرف مما ينعكس سلباً على النشاط الاقتصادي العام ويؤجل قرارات الاستهلاك والاستثمار.
أزمة هيكلية تتجاوز الشكل الفيزيائي للنقد
تظهر المعطيات الرسمية أن نحو 50% فقط من الكتلة النقدية القديمة المقدرة بـ 14 مليار قطعة وبقيمة تصل إلى 42 تريليون ليرة قد تم استبدالها حتى الآن وهي نسبة تعتبر دون التوقعات المعلنة بكثير
ويرى الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن هذا التباطؤ يكشف عن خلل يتجاوز الجوانب التنفيذية ليصل إلى جوهر السياسة النقدية إذ تفتقر العملية إلى إطار اقتصادي متكامل وتقتصر على تغيير الشكل الفيزيائي للنقد دون معالجة حقيقية لحجم الكتلة النقدية أو آليات توجيهها
كما يؤكد قوشجي أن غياب الأدوات النقدية الفعالة مثل التحكم بأسعار الفائدة أو الاحتياطي الإلزامي يضعف قدرة المصرف المركزي على إدارة السيولة مما يجعل الإجراء أقرب إلى خطوة تقنية محدودة الأثر لا تلامس جذور المشكلة.
إن هشاشة البنية المصرفية واعتماد شريحة واسعة من السوريين على التداول النقدي المباشر يقوضان فعالية عملية الاستبدال ويكشفان حدود قدرة المصرف المركزي على فرض إيقاع نقدي مستقر أو معالجة الاختلالات العميقة في الاقتصاد الوطني
وفي المحصلة يبدو أن تمديد المهلة يكشف عن حدود القدرة الرسمية على ضبط البيئة الاقتصادية المضطربة فنجاح العملية لا يتوقف على منح زمن إضافي بقدر ما يرتبط بضرورة إعادة بناء الثقة المفقودة وتعزيز أدوات السياسة النقدية وتحديث البنية المصرفية لتتجاوز مجرد استبدال الأوراق النقدية نحو معالجة أعمق لجذور الأزمة الاقتصادية السورية.
اقرأ أيضاً:الأموال المصادرة في سوريا: هل تمول إعادة الإعمار أم تبتلعها فجوة العجز الاقتصادي؟
اقرأ أيضاً:اختلاس 764 ألف دولار بـ توفير دمشق.. فضيحة مالية تُشعل الحرب بين المصرف وشام كاش