التلوث البلاستيكي في سوريا.. مخلفات تنتشر من الحقول إلى البحر وسط غياب المعالجة الفاعلة
تتراكم المخلفات البلاستيكية في الأراضي الزراعية والشوارع ومجاري الأنهار والساحل السوري، فيما تبدو الاستجابة الرسمية أقرب إلى توصيف المشكلة والدعوة إلى التوعية منها إلى امتلاك خطة تنفيذية تحدّ من انتشارها. فالتلوث الذي يبدأ بكيس أو عبوة مهملة قد ينتهي في التربة أو المياه أو البيئة البحرية، بينما تبقى المعالجة رهينة خدمات جمع وفرز وتدوير لا تقدم المادة صورة واضحة عن كفاءتها أو قدرتها على مواكبة حجم النفايات.
وتكشف تصريحات مدير إدارة السلامة البيئية في وزارة الإدارة المحلية والبيئة، راتب رمضان، عن اتساع مصادر التلوث ومخاطره، من المخلفات المنزلية والتجارية إلى الأكياس والعبوات المستخدمة في الزراعة، وصولاً إلى الجزيئات البلاستيكية الدقيقة التي يصعب رصدها وجمعها بعد انتشارها.
من الحقول إلى الأنهار والساحل
تواجه الأراضي الزراعية مشكلة تراكم الأكياس والعبوات ومخلفات الاستخدامات الزراعية، مع مخاطر محتملة على خصائص التربة والبيئة المحيطة. وتزداد خطورة هذه المخلفات عندما تنتقل بفعل الأمطار والرمي العشوائي إلى المجاري المائية، ومنها بردى والعاصي والفرات، ثم تصل إلى الساحل والبحر، حيث يمكن أن تتسبب في إضرار الكائنات البحرية وموائلها.
لكن تحديد حجم الضرر الفعلي لا يزال يحتاج إلى مسوحات ميدانية وبيانات موثقة، ولا سيما في ما يتعلق بالجزيئات البلاستيكية الدقيقة ومسارات انتقالها إلى السلاسل الغذائية. وهذا النقص في البيانات يضعف القدرة على ترتيب الأولويات، ويجعل الحديث عن حماية الموارد الطبيعية أوسع من الأدوات المتاحة لقياس ما تتعرض له فعلياً.
حملات تنظيف بلا معالجة للجذور
تتحدث الوزارة عن تقليل استخدام البلاستيك، وتحسين الجمع والفرز، وتوسيع إعادة التدوير، وتعزيز الرقابة والتوعية المجتمعية. وهي إجراءات ضرورية من حيث المبدأ، لكنها لا تجيب عن السؤال الأهم: ما الذي تحقق منها على الأرض؟ فلا تتضمن التصريحات أرقاماً عن كميات النفايات البلاستيكية المنتجة أو المجموعة أو المعاد تدويرها، ولا بيانات عن مواقع التلوث التي عولجت، أو الجهات التي خضعت للمساءلة بسبب المخالفات.
وتكمن المشكلة في أن حملات التنظيف، مهما اتسعت، لا تعالج مصادر التلوث إذا ظلت خدمات جمع النفايات ونقلها ومعالجتها عاجزة عن منع تراكمها مجدداً. كما أن مطالبة المواطنين بتغيير سلوكهم تفقد كثيراً من جدواها عندما لا تتوافر حاويات كافية، أو منظومة فرز منتظمة، أو بدائل مناسبة بأسعار مقبولة.
مسؤولية حكومية لا تعوّضها التوعية
تتحمل الجهات العامة المسؤولية الأساسية عن وضع السياسات وتوفير البنية الخدمية والرقابة على المنشآت والمنتجين والمستوردين. أما تركيز الخطاب الرسمي على المشاركة المجتمعية، من دون إعلان خطط محددة وموازنات وجداول زمنية ومؤشرات أداء، فينقل جزءاً من عبء الأزمة إلى الأفراد، مع أن أدوات معالجتها الأساسية تقع بيد المؤسسات.
ولا تقدم المادة ما يثبت وجود فساد مالي أو إداري محدد، لكنها تكشف فجوة في الشفافية والمساءلة: لا أرقام منشورة تقيس حجم المشكلة، ولا نتائج معلنة تسمح بتقييم أداء الجهات المسؤولة. وفي ظل هذا الغياب، يبقى اليوم الوطني للبيئة مناسبة لتجديد الشعارات، فيما تحتاج البيئة السورية إلى ما هو أبعد من حملات موسمية: منظومة نفايات فعالة، ورقابة قابلة للمحاسبة، وتمويل معلن، وبيانات دورية تكشف ما أُنجز وما تعثر.
اقرأ أيضاً: بسبب التلوث الجرثومي وتكرار حالات العدوى.. إغلاق مؤقت لمشفى “النهضة” الخاص في حمص