ثلاث عملات في أسواق الشمال السوري.. فوضى التسعير تكشف تعثر توحيد النقد
تحتاج الأسرة في الشمال السوري إلى أكثر من محفظة كي تدير مشترياتها اليومية: الليرة السورية للخبز والنقل، والتركية للمواد الغذائية والألبسة، والدولار للإيجارات وبعض الخدمات. أما الفاتورة الإضافية فتُدفع عند كل عملية تحويل، نتيجة فروق أسعار الصرف التي يحددها التجار وفق حساباتهم الخاصة، في سوق لم تنجح الإجراءات الحكومية حتى الآن في توحيد قواعده النقدية.
بدأ التعامل الرسمي بالليرة التركية في مناطق من إدلب وريف حلب عام 2020، بعد الانهيار الحاد في قيمة الليرة السورية. وبعد سقوط النظام السابق، أصدرت محافظة إدلب تعميماً أواخر 2025 يلزم المؤسسات والأنشطة التجارية بالتعامل بالليرة السورية، ثم افتتح المصرف المركزي فرعاً في إدلب في تموز 2026. لكن عودة المؤسسة النقدية إلى المنطقة لم تعنِ عودة العملة الوطنية إلى موقعها في السوق.
كل متجر يضع سعر صرفه
تروي فوزية حتّا، وهي معلمة وأرملة، أن المحال التجارية تحتسب الليرة التركية بأسعار متفاوتة؛ فقد يحدد أحد الباعة قيمتها عند 300 ليرة سورية، فيما يعتمد متجر قريب 290 ليرة، رغم أن النشرة الرسمية تشير إلى 285 ليرة. وتقول إن هذه الفروق تدفعها إلى تجنب الدفع بالعملة السورية، بعدما باتت تخسر جزءاً من راتبها عند كل عملية شراء أو تصريف.
وتتكرر المشكلة مع أصحاب المتاجر الصغيرة. فنذير بدرخان، صاحب بقالية في أعزاز، يقول إن شراء البضائع يتم بالدولار، بينما يطلب الزبائن الدفع بالليرة السورية، ما يضعه أمام خسارة محتملة إذا التزم بسعر المصرف المركزي ثم اضطر إلى شراء مخزونه بسعر السوق. وفي المقابل، يقر تاجر الأدوات المنزلية مصطفى بطل بإضافة هامش يتراوح بين 2 و5 بالمئة لمواجهة مخاطر تقلب الصرف.
هذه المعادلة تكشف سوقاً تتوزع فيها مخاطر النقد بين المستورد والتاجر والمستهلك، لكن المواطن يبقى الأقل قدرة على امتصاص الخسارة.
قرار توحيد العملة لا يصنع الثقة
اقتصادياً، يضع تعدد العملاتف السياسة النقدية أمام قيود حقيقية؛ فالمصرف المركزي يستطيع التأثير في التداول بالليرة السورية، لكنه لا يملك الأدوات نفسها للتحكم بتداول الليرة التركية والدولار. كما يؤدي تعدد وحدات التسعير إلى تعقيد احتساب التضخم ومقارنة الأسعار، ويدفع التجار إلى إضافة هوامش احترازية يتحملها المستهلك.
ويربط الباحث الاقتصادي أدهم قضيماتي استمرار التداول بالتركية بتراجع الثقة بالليرة السورية، وتفاوت استقرار العملتين، فيما يشير أستاذ التمويل علي محمد إلى أن نقص الكتلة النقدية السورية وكثافة التداول بالتركية يعوقان عملية الاستبدال.
سحب التركية يحتاج خطة لا تعميماً
يتطلب إخراج الليرة التركية تدريجياً تنسيقاً مصرفياً مع أنقرة، وتوفير كميات كافية من العملة السورية، وإنشاء مراكز لاستبدال النقد التركي، وضمان استقرار سعر الصرف. أما فرض التعامل بالعملة الوطنية قبل تأمين هذه الشروط، فيحوّل القرار الإداري إلى عبء إضافي على السوق، ويترك التعامل الفعلي خاضعاً لقواعد غير موحدة.
المشكلة أن الدولة تطالب المواطنين باستخدام عملتها، فيما لا تزال عاجزة عن توفير السيولة الكافية وإقناع السوق باستقرار قيمتها. وهكذا تستمر ثلاث عملات في إدارة اقتصاد واحد، وتتحول كل عملية شراء إلى حساب جديد، فيما لا يظهر حتى الآن جدول تنفيذي واضح ينقل الشمال من فوضى التسعير إلى نظام نقدي موحد.
اقرأ ايضاً: الليرة التركية تتمسك بأسواق الشمال السوري.. لماذا تتعثر عودة الليرة السورية؟