المأساة المستمرة: كيف أنهكت الحرب صحة الأمهات وحديثي الولادة في سوريا؟

على مدى أكثر من عقد من الزمن، لم تتوقف التداعيات القاسية للحرب في سوريا عند حدود الخسائر البشرية المباشرة والدمار المادي الذي حل بالمدن والبنى التحتية، بل امتدت لتلتهم القطاعات الحيوية وعلى رأسها القطاع الصحي.

وخلال سنوات الصراع المتواصلة، تعرضت المنظومة الطبية لأضرار بالغة واستنزاف حاد في الموارد والكوادر والمستلزمات، وهو ما انعكس بشكل مباشر وأليم على الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع، وتحديداً النساء الحوامل والأجنة وأطفال حديثي الولادة الذين يواجهون ظروفاً صحية بالغة الحرجة.

واقع صحي متردٍ وتبعات معيشية قاسية

تتطلب فترات الحمل والولادة وما بعدها توفير رعاية صحية منتظمة وفحوصاً دورية وخدمات متخصصة، غير أن الوصول إلى هذه الخدمات الأساسية بات أمراً بعيد المنال لشرائح واسعة من السكان، لا سيما في المناطق التي اكتوت بنار النزوح والفقر وتراجع الخدمات.

ويزيد النزوح المستمر والمتكرر من صعوبة حصول الأمهات على متابعة طبية مستقرة، في وقت تعاني فيه أغلب الأسر من ضغوط اقتصادية خانقة تحد من قدرتها على تحمل تكاليف التنقل والفحوص والأدوية، إلى جانب انتشار سوء التغذية ونقص الغذاء المتوازن اللذين يؤديان إلى مضاعفات خطيرة تمس صحة الأم ونمو الجنين بشكل مباشر.

ومع تضرر عدد كبير من المرافق الصحية وخروج الكثير منها عن الخدمة تماماً، ناهيك عن النقص الحاد في الأدوية وتراجع أعداد الكوادر الطبية المتخصصة، تصاعدت الضغوط على المشافي والمراكز العاملة، وخصوصاً أقسام النسائية والتوليد والحضانات والعناية بحديثي الولادة.

ولا تتوقف المخاطر عند حدود الحمل بل تتضاعف أثناء الولادة وما بعدها، وهي المراحل الأشد خطورة التي تتطلب تدخلاً طارئاً ورعاية خاصة للأطفال الخدج أو الذين يولدون بمشكلات صحية معقدة.

فجوات جغرافية وتحذيرات من خطر “الفقر الصحي”

تطرح هذه المعطيات القاسية تساؤلات ملحة حول مدى قدرة النظام الصحي السوري على تأمين الرعاية الأساسية والولادة الآمنة، وجاهزية أقسام حديثي الولادة للتعامل مع الحالات الحرجة، إلى جانب الفوارق الجغرافية الواضحة في مستوى الخدمات بين المدن والمناطق الريفية والنائية، حيث تحول المسافات وتكاليف النقل دون وصول النساء إلى المستشفيات المجهزة بالوقت المناسب.

وفي هذا السياق، تؤكد القراءات التحليلية أن صحة الأم والطفل تشكل المؤشر الحقيقي لقدرة القطاع الصحي والمؤسسات الإنسانية على التعافي وسد الفجوات القائمة.

وفي هذا الصدد، أوضح الدكتور عزيز موسى، الكاتب والباحث في الشؤون السياسية والأمنية، في تصريحات لـ”963+”، أن الحرب خلقت تداعيات خطيرة على المنظومة الصحية بفضل تداخل عوامل النزوح والفقر وتفكك الأسر وانعدام الأمن الغذائي وتدمير المشافي.

ولفت موسى إلى بيانات منظمة الصحة العالمية التي أعلنت منذ مطلع عام 2025 أن نحو 15 مليون شخص في سوريا يعانون من نقص الخدمات الصحية، مشيراً إلى أن 55% فقط من المستشفيات والمراكز الصحية ما زالت تعمل، وهو ما ينعكس مستقراً وسلباً على صحة الحوامل والأجنة.

ونوه موسى إلى صعوبة الجزم بالأرقام الحقيقية لمعدلات الولادات والوفيات بسبب ضعف التسجيل والتبليغ في مناطق النزوح والأعمال الحربية.

وأضاف أن المدن الكبرى تحافظ نسبياً على شبكة خدمات توليدية، بينما تعاني مناطق الشمال والشمال الشرقي من غياب الخدمات الأساسية ورعاية التوليد الطارئة، ما يجعل مضاعفات مثل النزيف بعد الولادة تهديداً مباشراً لحياة الأم والطفل حال تأخر التدخل الطبي.

وحول صحة الأطفال، أشار موسى إلى انتشار حالات سوء التغذية الهزال وضعف النمو منذ اللحظات الأولى للحياة، مؤكداً أن غياب الخدمات يدفع بعض المناطق للعودة إلى أساليب ولادة تقليدية أقل أماناً.

وأضاف أن ارتفاع معدلات فقر الدم لدى الحوامل يحول “العجز الاجتماعي” إلى “خطر صحي”، مبيناً أن نقص الأكسجين أثناء الولادات المتعثرة في غياب الكوادر المؤهلة يتسبب في إعاقات دائمة للمواليد، لتتحول الأزمة من حالة صحية آنية إلى عبء اجتماعي واقتصادي طويل الأمد على الأسرة والمجتمع.

استنزاف المنظومة الصحية ودعوات للتعافي الشامل

وشدد موسى على أن إعادة تأهيل القطاع الصحي تحتاج إلى برامج دولية وشراكات متعددة، محذراً من تقليص الدعم المقدم للمشافي والأدوية، ومشيراً إلى تحذيرات وكالات الأمم المتحدة في تقرير صدر في نيسان/ أبريل 2025 بشأن تأثير تخفيضات التمويل على جهود خفض وفيات الأمهات عالمياً.

وأكد في ختام حديثه أن ملف صحة الأم والوليد يرتبط وثيقاً بالظروف الاقتصادية والاجتماعية وهجرة الكفاءات، وأن تحسين هذا القطاع في الأرياف والمناطق النائية يمثل اللبنة الأساسية لبناء منظومة صحية قادرة على الاستجابة.

من جانبه، أكد الدكتور سعيد الزغبي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة قناة السويس، في حديثه لـ”963+”، أن الحرب السورية استنزفت المنظومة الصحية وجعلت الحمل والولادة رحلة محفوفة بالخاطر.

وأوضح الزغبي أن حرمات الملايين من الرعاية السابقة للولادة رفع من معدلات مضاعفات مثل تسمم الحمل والنزيف، كما أن الصدمات النفسية والضغط العصبي للنزوح يرفعان مخاطر الولادة المبكرة وانخفاض أوزان المواليد.

وأشار الزغبي  إلى أن العناية بالحديثي الولادة والخدج تتطلب منظومة متكاملة تشمل الكهرباء المستمرة والمعدات ونظام إحالة طارئ، مؤكداً أن تفاوت الحصول على خدمات الصحة الإنجابية يوسع الفجوة بين القادرين على التكلفة والاعتماد على الخدمات الإنسانية.

وحذر الزغبي من ظاهرة “الفقر الصحي”، حيث يؤدي مرض الأم أو إعاقة الطفل إلى أعباء اقتصادية تضطر الوالدين لترك العمل، ما يدخل الأسرة في حلقة مفرغة من الفقر والمرض.

وختم الزغبي حديثه بالإشارة إلى أن النزوح وهجرة الأطباء والقابلات أضعفا قدرة النظام الصحي في المناطق النائية، مؤكداً أن معالجة صحة الأم والطفل لا يمكن فصلها عن معالجة الفقر وانعدام الأمن الغذائي، وأن إعادة بناء سوريا المرجوة يجب أن تبدأ من إعادة بناء الإنسان واستعادة منظومة صحية شاملة توفر الولادة الآمنة والتطعيم والرعاية النفسية للعبور من مرحلة البقاء إلى مرحلة التعافي.

اقرأ أيضاً:سوريا رابع أسوأ دولة عالمياً في مؤشر المرأة والسلام والأمن

اقرأ أيضاً:خلف أبواب غرف الولادة في سوريا.. انتهاكات وإهمال يهددان كرامة النساء

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.