رفع العقوبات عن سوريا يفتح باباً جديداً أمام الشرع.. فهل يمتد الاختبار إلى لبنان؟
شكّل قرار الولايات المتحدة في 24 آب/أغسطس 2026 رفع سوريا رسمياً من قائمة الدول الراعية للإرهاب تحولاً مهماً في طبيعة العلاقة بين واشنطن ودمشق. فالخطوة لم تقتصر على إنهاء تصنيف يعود إلى عام 1979، بل ترافقت أيضاً مع إلغاء تصنيف هيئة تحرير الشام، جبهة النصرة سابقاً، كمنظمة إرهابية عالمية وإزالتها من قائمة العقوبات.
وجاء القرار في وقت بدأت فيه آثار الانفتاح تظهر داخل سوريا، مع تشغيل خدمات الدفع الدولية عبر Visa وMastercard، في مؤشر على اتساع قدرة البلاد على التعامل مع النظام المالي الدولي. وفي الوقت نفسه، انتقل الرئيس السوري أحمد الشرع، المعروف سابقاً باسم أبو محمد الجولاني، من شخصية كانت واشنطن تلاحقها أمنياً إلى رئيس تتعامل معه الإدارة الأمريكية بوصفه طرفاً يمكن إشراكه في ملفات تتجاوز الشأن السوري الداخلي.
لكن التحول يأتي بالتزامن مع ملف أكثر حساسية: مطالبة واشنطن دمشق بلعب دور أكبر في التعامل مع حزب الله اللبناني، في حين تبدو الحكومة السورية حذرة من الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة داخل لبنان. ومن هنا يبرز سؤال حول طبيعة المرحلة المقبلة: هل يمثل رفع التصنيف بداية لإعادة دمج سوريا في النظام الدولي وإنهاء عزلتها، أم أنه يترافق مع إعادة تعريف للدور الإقليمي الذي يفترض أن تؤديه دمشق؟
من الجولاني المطلوب إلى الشرع رئيساً
لم يكن الانتقال في موقع أحمد الشرع وليد سقوط نظام الأسد وحده. فالرجل الذي كانت الولايات المتحدة قد رصدت مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار مقابل معلومات تقود إلى القبض عليه، بدأ مساراً مختلفاً خلال سنوات وجوده في إدلب، عندما انتقل تدريجياً من قيادة فصيل مسلح إلى إدارة منطقة تمتلك مؤسسات وأجهزة أمنية وإدارية.
وتشير تصريحات السفير الأمريكي السابق في دمشق، روبرت فورد، إلى وجود جهود بريطانية-أمريكية هدفت إلى نقل الجولاني من موقع قيادي في فصيل مسلح ومدرج على قوائم الإرهاب الأمريكية والدولية منذ عام 2013، إلى المجال السياسي.
ويشير هذا المسار إلى أن إعادة تقديم الشرع سياسياً وأمنياً سبقت سقوط الأسد، مع فتح قنوات اتصال مع أطراف غربية وتطور علاقاته الإقليمية، ولا سيما مع تركيا التي كانت صاحبة التأثير الأكبر في البيئة التي تمكن خلالها من تثبيت سلطته في إدلب.
ومع انتقال السلطة إلى دمشق، التقت مسارات عدة كانت قد تطورت على مدى سنوات. فتركيا لعبت دوراً إقليمياً مؤثراً في البيئة التي نشأت فيها سلطة الشرع في إدلب، بينما امتلكت بريطانيا قنوات اتصال استخباراتية مع الهيئة، في حين احتفظت واشنطن بأدوات أكثر مباشرة، من بينها العقوبات والتصنيفات والاعتراف السياسي.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى قرار رفع التصنيف الأمريكي باعتباره مرحلة متقدمة من مسار إعادة ترتيب العلاقة مع الشرع ودمشق، وليس نقطة البداية الوحيدة لهذا التحول.
حزب الله في صلب الحسابات الأمريكية
يأتي التطور في وقت يبرز فيه الملف اللبناني كأحد الاختبارات الأولى للعلاقة الجديدة بين واشنطن ودمشق.
وفي 8 حزيران/يونيو، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه يقترب من تسليم ملف حزب الله اللبناني إلى سوريا، ومنح أحمد الشرع دوراً أكبر في التعامل مع الحزب.
وعاد ترامب إلى الملف في 20 حزيران/يونيو، قائلاً إنه ناقشه مع الرئيس السوري، وإن دمشق قد تكون قادرة على التعامل مع حزب الله بصورة أكثر فاعلية، في ظل استمرار المواجهات والتوترات الأمنية على الحدود اللبنانية “الإسرائيلية” وما خلفته من خسائر بشرية ومادية.
وفي 22 حزيران/يونيو، انتقد ترامب طريقة تعامل “إسرائيل” مع الحزب، قائلاً: «أشعر بخيبة أمل لأن إسرائيل لا تستطيع القضاء على حزب الله، لا يستطيعون فعل أي شيء سوى هدم المباني، وأنا على وشك تسليم الملف لسوريا».
وتضع هذه التصريحات دمشق أمام معادلة معقدة. فالشرع يحتاج إلى استمرار الانفتاح الأمريكي والغربي لدعم إعادة بناء الاقتصاد وتثبيت مؤسسات الدولة الجديدة، لكنه يدرك أن الدخول في حرب ضد حزب الله استجابة لضغط أمريكي قد يحمل كلفة سياسية وأمنية، سواء داخلياً أو على مستوى علاقاته الإقليمية.
وفي 21 حزيران/يونيو، أوضح الشرع أن مقاربة دمشق مختلفة، قائلاً: «نبحث عن خطوط اقتصادية بين لبنان وسوريا، وليس عن خطوط عسكرية». وأضاف أن الطرح السوري مع الولايات المتحدة يقوم على «وجوب أن تقف الحرب»، داعياً إلى حلول اقتصادية وسياسية واجتماعية، وإلى إعادة ربط العلاقات و«الشريان الاقتصادي بين سوريا ولبنان».
هامش المناورة أمام دمشق
لا يقتصر التحدي الذي يواجه الشرع على العلاقة مع واشنطن. فأي انخراط عسكري سوري مباشر في مواجهة حزب الله يمكن أن يثير اعتراضات داخلية، خصوصاً لدى الأطراف التي ساعدته في الوصول إلى السلطة، وبينها مقاتلون أجانب، أو لدى شرائح من المجتمع السوري قد ترى في ذلك مشاركة في حرب تخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.
وتكتسب المسألة حساسية إضافية بسبب الخلفية الجهادية التي خرج منها الشرع، والتي لا تزال حاضرة في البيئة التي نشأ فيها نفوذه. وبالتالي فإن أي تحول سريع في موقعه الإقليمي قد يفتح نقاشات داخلية حول طبيعة المرحلة الجديدة وحدود التحالفات التي تتجه إليها السلطة في دمشق.
في المقابل، فإن رفض المطالب الأمريكية بشكل صريح قد يحد من هامش الحركة الذي حصلت عليه الحكومة السورية مع الانفتاح الغربي. وهنا تظهر المعضلة الأساسية: قبول دور أكبر في مواجهة حزب الله قد يعزز موقع الشرع لدى واشنطن والعواصم الغربية، لكنه قد يفرض عليه في المقابل أثماناً داخلية وإقليمية يصعب تقديرها مسبقاً.
تعزيزات على الحدود من دون إعلان حرب
في هذا السياق، كشفت وكالة رويترز في آذار/مارس 2026 عن تعزيزات عسكرية سورية على الحدود اللبنانية. وقدمت دمشق هذه الخطوة باعتبارها إجراءً لحماية الحدود ومنع تهريب السلاح وتسلل عناصر حزب الله.
وتمنح هذه المبررات الحكومة السورية مساحة للدفاع عن انتشارها باعتباره جزءاً من مسؤوليات الدولة، بعيداً عن إعلان الاستعداد لخوض حرب داخل لبنان.
لكن تزامن التعزيزات مع الضغوط الأمريكية على دمشق للعب دور في مواجهة حزب الله يضيف بعداً آخر إلى الخطوة. فمن الممكن، وفق المعطيات الواردة، أن تكون دمشق حريصة على إبقاء خياراتها مفتوحة؛ فهي لا تعلن التوجه إلى الحرب، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تجد نفسها أمام تطور ميداني مفاجئ من دون استعداد.
وبذلك تبدو السياسة السورية قائمة على الموازنة بين الاستعداد العسكري والامتناع عن الالتزام بعملية هجومية، بما يسمح لدمشق بتعديل موقفها إذا تغيرت المعطيات الميدانية.
هل رفع التصنيف جزء من تفاهم أوسع؟
لا يوجد دليل علني يثبت وجود صفقة مباشرة تربط قرار رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب بإطلاق عملية عسكرية سورية ضد حزب الله في لبنان. لكن توقيت القرار، بالتزامن مع الضغوط الأمريكية على دمشق، يفتح نقاشاً حول طبيعة التفاهمات الأوسع بين الطرفين.
فالقرار منح الحكومة السورية مكسباً مهماً يتمثل في إزالة أحد أبرز القيود التي عرقلت اندماجها الاقتصادي والسياسي، وفتح أمامها مجالاً أوسع للتعامل مع النظام المالي الدولي والاستثمار وإعادة الإعمار.
وفي المقابل، باتت لدى واشنطن ورقة تفاوض أقوى مع القيادة السورية، ولا سيما في الملفات التي تعتبرها مرتبطة بالأمن الإقليمي، وفي مقدمتها حزب الله.
وإذا تحولت الضغوط إلى مطالبة دمشق بتدخل عسكري مباشر وفوري في لبنان، فستدخل العلاقة بين الطرفين مرحلة مختلفة؛ إذ قد تؤدي أي عملية سورية ضد الحزب إلى مواجهة مباشرة معه ومع حليفه الإيراني، بينما تبقى قدرة الحكومة السورية على تحمل تداعيات مواجهة من هذا النوع موضع تساؤل.
سوريا أمام اختبار الدور الإقليمي
يمثل رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في المحصلة، تحولاً كبيراً في علاقة دمشق بواشنطن والنظام الدولي. فقد حصلت الحكومة السورية الجديدة على مساحة أكبر للتحرك اقتصادياً وسياسياً، في وقت باتت فيه واشنطن تنظر إلى دمشق باعتبارها طرفاً يمكن أن يؤدي دوراً في ترتيبات المنطقة.
ويكتسب هذا التحول أهمية إضافية بالنسبة إلى حزب الله، الذي يمثل بالنسبة إلى الولايات المتحدة و”إسرائيل” جزءاً أساسياً من المعادلة الأمنية التي يجري العمل على إعادة تشكيلها في الشرق الأوسط، خصوصاً مع ما خلفته المواجهات من خسائر لـ “إسرائيل” وتصاعد الغضب الشعبي الإسرائيلي من تكلفة الحرب.
وبحسب الطرح الوارد في المادة، قد تسعى واشنطن إلى نقل جزء من أعباء مواجهة الحزب إلى مقاتلي الشرع، في محاولة لتحسين وضع حكومة الاحتلال الإسرائيلي الحالية وتجنب ضغوط مرتبطة بالانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقررة في تشرين الأول/أكتوبر 2026، والدفع نحو الاستعانة بطرف آخر لمواجهة الحزب، ولو بصورة مؤقتة.
وعليه، فإن رفع التصنيف الأمريكي يمثل مكسباً واضحاً لدمشق، لكنه يأتي في مرحلة تتوقع فيها واشنطن من السلطة السورية الجديدة دوراً إقليمياً أكبر. ولا يعني القرار، بحد ذاته، وجود التزام سوري بالتدخل العسكري في لبنان، لكنه يضع الشرع أمام معادلة جديدة بين المكاسب التي يوفرها الانفتاح الدولي والتوقعات السياسية والأمنية المرتبطة به.
ويبقى السؤال الأهم هو مدى قدرة الرئيس السوري على الحفاظ على هامش مستقل في هذه العلاقة. فالرجل الذي كان مطلوباً للولايات المتحدة أصبح اليوم رئيساً لدولة أزيل اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، لكنه يواجه في الوقت نفسه مطالب أمريكية تتعلق بأحد أكثر الملفات حساسية في الشرق الأوسط. وقد يشكل الملف اللبناني الاختبار الأوضح لما إذا كان رفع التصنيف يمثل نهاية مرحلة العزلة السورية، أم بداية مرحلة يعاد فيها تحديد الدور الإقليمي لدمشق وفق توازنات جديدة مع واشنطن وحلفائها.
إقرأ أيضاً: بعد الخروج من قائمة الإرهاب.. هل تستطيع سوريا جذب العملة الصعبة؟
إقرأ أيضاً: ترامب يلوّح بإزالة سوريا من قائمة الإرهاب… هل يتحول ملف حزب الله إلى بوابة التقارب مع واشنطن؟