زيادة الرواتب في سوريا.. حين يبتلع سعر الصرف راتب الموظف

لم يكد الموظفون السوريون يستقبلون خبر زيادة الرواتب والأجور بنسبة 50% حتى كانت الأسواق قد استوعبتها مسبقاً، وبدأت الأسعار بإعادة تموضعها على إيقاع الدولار الصاعد. هكذا وجدت الزيادة نفسها في سباق غير متكافئ مع التضخم، قبل أن تصل فعلياً إلى جيوب المستفيدين منها.

المرسوم رقم 67 لعام 2026 رفع الحد الأدنى للأجور وأعطى إشارة إيجابية طال انتظارها، لكن تراجع الليرة المتسارع أمام الدولار سرعان ما قلّص الأثر المتوقع. فالقيمة الاسمية للأجور ارتفعت، بينما بقيت القوة الشرائية أسيرة سوق يكتب الدولار قواعده اليومية بلا هوادة.

في الخلفية، لا تبدو المشكلة مرتبطة بالرواتب وحدها، بل ببنية اقتصادية هشّة تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات وتعاني ضعفاً في الإنتاج المحلي. ومع زيادة الكتلة النقدية، وارتفاع تكاليف الاستيراد والشحن، والتغييرات الجمركية الأخيرة، وجدت الأسواق مبررات إضافية لرفع الأسعار، لتتحول الزيادة إلى محاولة دفاعية أكثر منها معالجة جذرية.

وترى وزيرة الاقتصاد السابقة لمياء عاصي أن المشهد السوري لا يزال بعيداً عن سيناريو التضخم المفرط الذي شهدته فنزويلا، إلا أن استمرار الضغوط على سعر الصرف يفرض موجات غلاء متتالية تلتهم أي تحسن في الدخول ما لم ترافقها إصلاحات هيكلية تعيد تنشيط القطاعات الإنتاجية وتخفف الاعتماد على الخارج.

في المقابل، يخوض مصرف سوريا المركزي معركة معقّدة لضبط السيولة واستقرار العملة، لكن محدودية الاحتياطيات الأجنبية وضعف الإنتاج المحلي واتساع الفجوة بين العرض والطلب على الدولار تجعل هامش المناورة ضيقاً. ومع كل اهتزاز جديد في سعر الصرف، تتعثر خطط المستوردين وترتفع تكاليف الإنتاج، لتدور الأسواق في حلقة متكررة من الغلاء والتراجع.

ولا تتوقف تداعيات المشهد عند الأرقام والمؤشرات، بل تمتد إلى حياة السوريين اليومية. فبينما يعيش معظم السكان تحت خط الفقر، تتحول الزيادات المتلاحقة إلى مكاسب مؤقتة سرعان ما تبتلعها الأسواق، فيما يزداد اعتماد الأسر على الأعمال الإضافية واقتصاد الظل لتأمين الحد الأدنى من متطلبات المعيشة.

في المحصلة، تبدو زيادة الرواتب كخطوة ضرورية لكنها غير كافية. فهي تخفف جزءاً من الضغط المعيشي، لكنها لا تملك وحدها القدرة على وقف تآكل الدخل أو استعادة التوازن المفقود. فالمعركة الحقيقية لا تدور حول حجم الراتب بقدر ما تدور حول قيمة الليرة، واستقرار الأسعار، وقدرة الاقتصاد على إنتاج الثروة بدلاً من مطاردة آثار الأزمة.

وحتى يتحقق ذلك، سيبقى الموظف السوري عالقاً في سباق يومي مع الأسعار؛ سباق يربح فيه الدولار الجولة تلو الأخرى، بينما تتراجع الزيادة إلى مجرد رقم جديد على قسيمة الراتب.

إقرأ أيضاً: القطاع الصحي في سوريا: إضرابات واحتجاجات واسعة تشل المشافي بسبب أزمة الرواتب

إقرأ أيضاً: زيادة الرواتب في سوريا: تفاوات حاد يشعل غضب الموظفين ويضرب العدالة الوظيفية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.