مياه دوما إلى أين؟ الضخ لا يغطي ربع الحاجة وحوض فاسريا يهبط إلى 140 متراً ومخاوف من التلوث
لا تعاني دوما في ريف دمشق من نقص مياه عابر يمكن احتواؤه بزيادة ساعات الضخ أو إصلاح عطل في شبكة، بل تواجه أزمة تتداخل فيها ندرة المورد مع تهالك البنية التحتية وتراجع مناسيب المياه الجوفية وتزايد مصادر التلوث المحتملة. وبينما تحتاج المدينة إلى نحو 35 ألف متر مكعب يومياً، لا يصل إليها سوى قرابة 7200 متر مكعب، أي ما يعادل نحو 20% من احتياجاتها المقدرة.
وتزداد الصورة قتامة مع تراجع منسوب المياه الجوفية في حوض فاسريا، الذي وصل في بعض القياسات إلى 140 متراً، بعدما كانت مناسيب الآبار في المنطقة أقل عمقاً بكثير. وفي مدينة أنهكتها سنوات الحرب وتراجع الاستثمار في البنية الأساسية، تبدو أزمة المياه نتيجة تراكم طويل أكثر من كونها أزمة طارئة.
شبكة متهالكة ومياه لا تكفي
تعتمد دوما على مجموعة من الآبار ومشروعات التغذية، أبرزها مشروع المكاسر وآبار فاسريا، إلى جانب آبار داخل المدينة. لكن انخفاض الإنتاج وتضرر الشبكات يجعلان وصول المياه إلى السكان أكثر تعقيداً.
ويشير رئيس المجلس المحلي عماد الدين الأجوة إلى أن نحو 7200 متر مكعب تضخ يومياً مقابل حاجة تقدر بـ35 ألفاً، فيما تتسبب الأعطال والتسريبات في الشبكة الرئيسية والتمديدات المنزلية بفقدان كميات إضافية.
وتكشف مقارنة الأرقام الرسمية حجم التراجع: مدير الشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي في دمشق وريفها أحمد درويش أشار إلى أن إنتاج المنطقة بلغ نحو 25 ألف متر مكعب يومياً عام 2010، مقابل نحو 7 آلاف متر مكعب في 2026.
أي أن المشكلة لا تتعلق فقط بعدم كفاية المياه للسكان، بل بتراجع القدرة على إنتاجها ونقلها في الوقت نفسه.
حوض فاسريا يهبط.. والمخاطر تتراكم
وفق مدير الموارد المائية في دمشق وريفها باسل غفاري، أدى توالي سنوات الجفاف وقلة الأمطار إلى تراجع تغذية الحوض وجفاف النبع، بينما أظهرت القياسات انخفاض المناسيب إلى 110 أمتار، ووصولها إلى نحو 140 متراً في بعض المواقع.
وتعمل الجهات الرسمية على مراقبة الحوض وإجراء التحاليل، مع تأكيدها عدم وجود تلوث في المصدر المغذي لخزان فاسريا وصلاحية المياه الحالية للشرب.
لكن صلاحية المياه في لحظة الفحص لا تلغي هشاشة المورد نفسه. فالحوض يتعرض لضغوط متعددة تشمل السحب الجوفي، الجفاف، التوسع العمراني، المقالع والمحاجر، إلى جانب مخاطر الصرف الصحي والنفايات.
الصرف الصحي والنفايات.. خطر لا يملك رفاهية الانتظار
تضررت شبكات الصرف الصحي في دوما خلال سنوات الحرب، ولم تنفذ فيها، بحسب رئيس المجلس المحلي، مشاريع متكاملة لمعالجة الصرف الصحي منذ أكثر من 15 عاماً. كما توجد مكبات نفايات مؤقتة قرب مناطق حساسة بالنسبة للحوض المائي.
ويحذر خبراء من أن طبيعة التكوينات الكارستية قد تجعل انتقال الملوثات إلى المياه الجوفية أسرع، خصوصاً مع وجود التشققات والمقالع والضخ الجائر.
هنا تظهر إحدى أوجه القصور الأشد وضوحاً: حماية المياه لا تزال تتحرك في مساحة ضيقة من الفحوص والدوريات وإصلاح الأعطال، بينما تحتاج المدينة إلى معالجة أصل المشكلة، من إعادة تأهيل الشبكات ومحطات الصرف إلى تنظيم السحب الجوفي وضبط الأنشطة التي تضغط على الحوض.
مدينة تعيش على هامش حاجتها المائية
في النهاية، تكشف أرقام دوما عن أزمة تتجاوز مسألة وصول المياه إلى الصنابير. فالإنتاج الحالي لا يغطي سوى جزء صغير من الطلب، والمورد الجوفي يتراجع، والبنية التحتية متضررة، ومصادر التلوث المحتملة لم تُغلق جميعها.
ومع غياب حلول قادرة على استعادة إنتاجية الشبكات والحوض المائي، يبقى السكان أمام معادلة شديدة القسوة: مورد يتناقص، وحاجة تتسع، وإجراءات تركز على إدارة النقص بدل إنهاء أسبابه. وفي حال استمرار هذا المسار، لن تكون المشكلة في المستقبل القريب مجرد ساعات أقل من المياه، بل في قدرة دوما نفسها على الحفاظ على مصدر مائي يمكن الاعتماد عليه.
اقرأ أيضاً: مياه الصرف الصحي تهدد سدود درعا.. ومحطات المعالجة ما تزال غير مكتملة