تجاوز مليون طن من القمح في سوريا… موسم وفير يصطدم بأزمات الإدارة والتسويق
رغم إعلان الحكومة السورية الانتقالية تجاوز كميات القمح المسلّمة إلى مراكزها حاجز المليون طن، لا يبدو أن هذا الإنجاز الزراعي كافٍ لتبديد المخاوف المرتبطة بالأمن الغذائي أو لإخفاء حجم التحديات التي ما تزال تثقل القطاع الزراعي في البلاد. فبعد سنوات من الجفاف والانكماش، جاء الموسم الحالي محمولاً على أمطار وفيرة، لا على سياسات زراعية متماسكة، بينما يبقى السؤال الأبرز: هل تستطيع الدولة تحويل وفرة الإنتاج إلى استقرار غذائي واقتصادي؟
وأعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة أن كميات القمح المحلي المسلّمة حتى 28 حزيران بلغت 1.087 مليون طن، عبر 81 مركز تسلّم موزعة في المحافظات، مع تسجيل ارتفاع متواصل في وتيرة التسويق منذ انطلاق الموسم.
الحسكة تعيد تثبيت مكانتها
واصلت محافظة الحسكة تصدّرها المشهد الزراعي بعدما استحوذت على أكثر من ثلث إجمالي القمح المسوّق، بإجمالي تجاوز 459 ألف طن، تلتها الرقة وحلب وحماة، في تأكيد جديد على أن الثقل الحقيقي لإنتاج القمح ما يزال متركزاً في منطقة الجزيرة السورية.
ويعزو مختصون هذا الارتفاع إلى وفرة الأمطار التي أعادت الحياة إلى الأراضي البعلية وخفّضت تكاليف الري، أكثر مما يعود إلى تدخلات حكومية أو برامج دعم زراعي، في وقت لا تزال فيه مشكلات البنية التحتية الزراعية، وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، وضعف التمويل، تلقي بظلالها على القطاع.
الطبيعة أنقذت الموسم
يرى مهندسون زراعيون أن الموسم الحالي يُعد الأفضل منذ سنوات، غير أن هذا التحسن ارتبط أساساً بالعوامل المناخية الاستثنائية، بعدما أسهمت الأمطار في رفع إنتاجية الدونم وتقليل الاعتماد على المحروقات والطاقة اللازمة للري.
ويُرجح أن تصل كميات القمح المسوّقة مع نهاية الموسم إلى ما بين 1.6 و1.8 مليون طن إذا استمرت وتيرة الحصاد الحالية، وهو ما قد يخفف من الحاجة إلى الاستيراد ويعزز المخزون الاستراتيجي، لكن دون أن ينهي الأزمة الغذائية التي تعاني منها البلاد.
المزارعون… موسم جيد لا يعني نهاية المعاناة
بالنسبة لمزارعي الحسكة، يحمل موسم 2026 شيئاً من التعويض بعد سنوات الجفاف. ويؤكد كثير منهم أن إنتاجية الأراضي ارتفعت بشكل ملحوظ، وأن انخفاض تكاليف الري حسن الجدوى الاقتصادية للمحصول.
لكن هذه المكاسب لا تلغي المشكلات المزمنة التي تواجه المنتجين، بدءاً من تقلب الأسعار، مروراً بكلفة النقل، ووصولاً إلى آليات التسويق التي يشكو مزارعون من بطئها وتعقيد إجراءاتها، فضلاً عن استمرار الغموض بشأن السياسات الزراعية طويلة الأجل.
وفرة الإنتاج لا تعني تعافي القطاع
ورغم أهمية الأرقام التي أعلنتها الحكومة، يرى متابعون أن قياس نجاح الموسم بحجم القمح المستلَم وحده يبقى مؤشراً ناقصاً، إذ إن تعافي الزراعة يتطلب معالجة أزمات أعمق تتعلق بإدارة الموارد المائية، وتأهيل البنية التحتية، وضمان استقرار أسعار المدخلات، وتحسين العائد الاقتصادي للمزارعين.
ففي بلد ما تزال أزماته الاقتصادية تضغط على مختلف القطاعات، تبدو وفرة القمح هذا العام استثناءً فرضته الطبيعة أكثر مما صنعته السياسات، فيما يبقى تحويل هذا الموسم إلى نقطة تحول حقيقية مرهوناً بقدرة الحكومة السورية الانتقالية على بناء استراتيجية زراعية مستدامة تتجاوز إدارة المواسم إلى إعادة بناء القطاع بأكمله، وهو تحدٍّ لا تزال ملامحه العملية غائبة حتى الآن.
اقرأ أيضاً: أزمة موسم حصاد القمح في إدلب: تحديات المناخ وتكلفة الإنتاج