الابتزاز الإلكتروني في شمال غرب سوريا: سلاح “الهندسة الاجتماعية” الذي يُلاحق النساء في الفضاء الرقمي

تحول الفضاء الرقمي في شمال غرب سوريا، المدفوع بالانتشار الواسع للهواتف الذكية، من مساحة للبحث عن العمل والدراسة والتعبير عن الرأي، إلى ساحة مواجهة معقدة تواجه فيها النساء شكلاً جديداً من العنف؛ العنف الرقمي. وهو عنف غير مرئي لا يترك كدمات جسدية، لكنه يخلّف خوفاً دائماً وعزلة نفسية عميقة، في ظل ضعف أنظمة الحماية الرقمية وآليات الملاحقة القانونية وبيئة مجتمعية تميل غالباً لـ “لوم الضحية”.

قصص من واقع المعاناة: الابتزاز والتحرش المنظم

ريم عثمان: “حياتي معلقة بزر نشر”

في إحدى ليالي الشتاء الباردة بريف إدلب الشمالي، عاشت “ريم عثمان” (اسم مستعار) تفاصيل كابوس مرعب بعد تلقيها رسائل متتالية من حساب مجهول يهدد بنشر صورها الخاصة إثر اختراق حسابها الشخصي. المبتز كان يرسل تعليماته بهدوء بارد، محدداً مهلاً زمنية قصيرة للحصول على مبالغ مالية تعجز ريم عن توفيرها.

اضطرت ريم، التي تعمل بائعة في محل للملابس النسائية في سرمدا، إلى الانعزال وإغلاق هاتفها خوفاً من الفضيحة وخسارة عائلتها. وبسبب نقص الوعي الرقمي والذعر، ارتكبت ريم خطأً شائعاً؛ حيث حذفت المحادثات وأغلقت الحسابات المخترقة، مما أدى إلى إتلاف أدلة جنائية هامة، قبل أن تلجأ أخيراً لخبير تقني ساعدها في تأمين ما تبقى من حساباتها.

سارة المحمد: إسكات الصوت السياسي بالتحرش الرقمي

لم تكن تجربة “سارة المحمد”، الطالبة الجامعية من إدلب، أقل قسوة. فقد تعرضت لحملات تحرش إلكتروني وتشوية سمعة منظمة عبر حسابات وهمية وصور مفبركة، بسبب مشاركتها لآراء سياسية ومجتمعية على منصة “فيسبوك”. وانتهت معركتها بالانسحاب الاضطراري وإغلاق حساباتها بشكل كامل بعد أن تحول النقاش إلى محاولة لإسكات صوتها العام.

الأبعاد التقنية: كيف يمنح غياب “حوكمة الإنترنت” الأمان للمبتزين؟

يرى الخبراء خلال حديثهم لموقع “العربي الجديد” أن الجناة في مناطق شمال غرب سوريا يستغلون الفوضى التقنية وغياب البنية التحتية المنظمة للاتصالات للإفلات من العقاب.

معوقات تتبع الجرائم السيبرانية في سوريا:

  • عشوائية شبكات الإنترنت: الاعتماد على استجرار الخدمة عبر وسطاء محليين يمنع تحديد الهوية الرقمية (IP Address) بشكل دقيق.

  • العزلة السياسية: غياب الاعتراف القانوني بالمنطقة يمنع السلطات المحلية من مخاطبة الشركات التقنية الكبرى مثل (Meta) أو (Telegram) للحصول على سجلات البيانات.

  • انتشار الأرقام الوهمية: بيع شرائح الاتصال بشكل غير منظم يمنح المبتز غطاءً كاملاً للتحرك بحرية.

الهندسة الاجتماعية العكسية: يوضح خبراء الأمن السيبراني أن المبتز يستمد قوته الحقيقية من “المجتمع” وليس من التكنولوجيا؛ حيث يدرك أن الضحية تخشى رد الفعل العائلي والاجتماعي الذي يتعامل مع الاختراق الرقمي بوصفه “فشلاً أخلاقياً” للضحية لا جريمة ارتكبها الجاني.

المنظور القانوني: فجوة النصوص وآليات الإثبات الرقمي

من وجهة نظر قانونية، تؤكد المحامية السورية المختصة بجرائم الابتزاز، إيناس حمامة، أن الخوف من تحول القضية ضد الضحية هو السبب الرئيسي وراء تردد النساء في الإبلاغ. ورغم وجود أطر قانونية مثل قانون الجرائم المعلوماتية رقم 20 لعام 2022 وقانون حماية البيانات الشخصية، إلا أن هناك فجوة واسعة بين النصوص وآليات تطبيقها على الأرض.

شروط ومعوقات الإثبات القانوني للجرائم الإلكترونية:

  • حذف الأدلة: قيام الضحايا بحذف الرسائل أو إغلاق الحسابات بدافع الخوف يؤدي قانونياً إلى إتلاف الدليل الجنائي الرقمي.

  • عدم كفاية “لقطات الشاشة” (Screenshots): تُعد لقطات الشاشة دليلاً أولياً فقط، وليست دليلاً كافياً بمفردها نظراً لإمكانية تعديلها، أو فبركتها، أو إخراجها من سياقها.

  • ضعف التأهيل القضائي: يعاني السلك القضائي وأعضاء الضابطة العدلية من فجوة معرفية وغياب للتدريب التخصصي في تقنيات التحقيق السيبراني.

خارطة طريق: كيف نواجه العنف الرقمي ضد النساء؟

لكسر حلقة الصمت والابتزاز في شمال غرب سوريا، يقترح الخبراء والقانونيون استراتيجية متكاملة تتطلب ثورة تقنية وثقافية تشمل:

  1. تأسيس وحدات تحقيق سيبرانية متخصصة: تضم كوادر مدربة على التعامل مع الأدلة الرقمية بسرية تامة.

  2. مراكز استجابة طارئة وسرية: لتقديم الدعم النفسي، القانوني، والتقني للنساء الضحايا دون تعريضهن لضغط إضافي.

  3. تنظيم قطاع الاتصالات: فرض رقابة وقوانين على مزودي الإنترنت المحليين لحفظ السجلات التقنية (Logs).

  4. شراكات مدنية وتقنية: بناء جسور تواصل بين منظمات المجتمع المدني والشركات التقنية لتسريع إزالة المحتوى المسيء.

  5. التوعية المجتمعية: تغيير الثقافة السائدة بنقل التركيز من “لوم النساء الضحايا” إلى تجريم المبتز وملاحقته قانونياً.

إقرأ أيضاً: الصداقات الافتراضية للمراهقين: مساحة للدعم النفسي أم بوابة للابتزاز الإلكتروني؟

إقرأ أيضاً: دراسة: العنف الرقمي ضد السوريات ظاهرة ممنهجة تُقصيهن عن المجال العام

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.