الأسواق السورية: لماذا ترتفع الأسعار مع هبوط الليرة ولا تنخفض عند تحسنها؟

شهدت الليرة السورية مؤخراً تحسناً ملحوظاً أمام الدولار الأميركي قدره مراقبون بنحو 20%، وجاء هذا التعافي مصحوباً بقرار حكومي قضى بتخفيض أسعار المحروقات وحوامل الطاقة. وعلى الرغم من أن هذه الخطوات كان من المفترض أن تسهم مباشرة في خفض أسعار السلع الأساسية، إلا أن الواقع في الأسواق السورية يكشف عن تناقض صارخ؛ حيث لا يزال المواطن يواجه ثباتاً في أسعار “سلة المستهلك” عند مستوياتها القياسية المرتفعة.

هذا التباين بين المؤشرات الاقتصادية وحركة الأسواق يعيد طرح السؤال المتكرر: لماذا تقفز الأسعار فوراً مع أي انهيار للعملة، بينما تعجز عن التراجع بالوتيرة نفسها عندما ينخفض الدولار؟

الرقابة التموينية تتحرك: ضبط هوامش الربح والفواتير

في محاولة لضبط هذا التناقض، أكد مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في دمشق، غياث بكور، أن تحسن سعر صرف الليرة وتراجع كلف الطاقة يجب أن ينعكسا تلقائياً على أسعار المواد الغذائية والأساسية.

وأوضح بكور آليات عمل الوزارة الحالية للحد من استغلال المستهلك:

  • تكثيف الجولات الرقابية: تسيير دوريات يومية لمتابعة حركة الأسواق وسبر أسعار الجملة ونصف الجملة والمفرق.

  • تدقيق حلقة التداول: تتبع مسار السلعة من المستورد أو المنتج وصولاً إلى بائع المفرق لضبط هوامش الربح المسموح بها قانوناً.

  • تنظيم الضبوط التموينية: ملاحقة الفعاليات التجارية التي تحقق أرباحاً فاحشة أو تفرض زيادات غير مبررة، والتشديد على إلزامية الإعلان عن الأسعار وتداول الفواتير النظامية.

موقف الحكومة من “التسعير الإداري”: شدد بكور على أن الحكومة السورية لا تتجه حالياً للعودة إلى نظام التسعير الإداري الشامل، باستثناء المواد والسلع المدعومة. وأكد أن السياسة الحالية تكرس اقتصاد السوق الحر وتترك الأسعار تتحدد وفق قانون العرض والطلب، مع احتفاظ الدولة بدورها الرقابي لمكافحة الاحتكار والتدليس.

“سياسة التحوط”: شماعة التجار لرفض خفض الأسعار

في المقابل، لا يحظى هذا التوجه الرقابي بإجماع الخبراء؛ حيث يرى أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، أن المشكلة الحقيقية تكمن في ابتكار التجار لما يُعرف بسياسة “التحوط”.

ويُقصد بالتحوط هنا قيام التاجر باحتساب كلفة بضائعه بناءً على سعر صرف أعلى من السعر الفعلي المتداول في السوق (على سبيل المثال: التسعير على حساب 150 ليرة جديدة للدولار بينما السعر الحقيقي 140 ليرة جديدة)، وذلك بذريعة حماية رأسماله من أي قفزات مستقبليّة مفاجئة للدولار.

انتقادات حادة لآلية “التحوط”:

  • غش مقنّع: وصف حبزة هذه السياسة بأنها مصطلح دخيل يحمل نوعاً من الغبن والتدليس للمستهلك السوري الذي بات الضحية الأولى لهذا الابتزاز التجاري.

  • مطالب بالمحاسبة: دعا حبزة الجهات المعنية إلى فرض عقوبات صارمة بحق التجار الذين يمارسون “التحوط”، وإلزام كل تاجر بالإعلان الصريح واليومي عن سعر الصرف الذي يعتمده في تسعير بضائعه ومقارنته بالسعر الرسمي.

لماذا لا تنخفض الأسعار ميكانيكياً في سوريا؟

وفقاً لخبراء ومحللين اقتصاديين، فإن العلاقة بين أسعار الصرف وحركة السلع محلياً تخضع لعدة معوقات تمنع انخفاضها السريع، وأبرزها:

  1. ارتفاع تكلفة المخزون القديم: تمسك التجار ببيع البضائع المستوردة مسبقاً بناءً على أسعار الدولار المرتفعة لتجنب الخسارة المادية.

  2. ضعف المنافسة في الأسواق: تركز استيراد وتوزيع السلع الأساسية في يد قلة من التجار، مما يضعف آليات التنافس التي تفرض خفض الأسعار.

  3. غياب الإجراءات الرادعة: حاجة الأسواق إلى آليات محاسبة قانونية واقتصادية تتجاوز مجرد تنظيم المخالفات التموينية التقليدية إلى معالجة هيكلية للأسواق.

إقرأ أيضاً: قبل انتهاء مهلة الاستبدال.. العملة السورية القديمة تُرفض في الأسواق رغم استمرار صلاحيتها

إقرأ أيضاً: أزمة الغلاء في طرطوس.. كيف يهدد التضخم لقمة عيش الأسر ويدفع بالأسواق نحو الركود؟

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.