المجتمع المدني في سوريا أمام اختبار التحول من الإغاثة إلى التنمية
تواجه منظمات المجتمع المدني في سوريا مرحلة جديدة مع اتساع احتياجات التعافي وإعادة الإعمار، وسط تساؤلات حول قدرتها على تجاوز الدور الإغاثي الذي طبع عملها خلال سنوات الحرب، والتحول إلى طرف فاعل في دعم الاقتصاد المحلي وتحسين الخدمات وتعزيز المساءلة المجتمعية.
وتُظهر بيانات وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تسجيل 2443 منظمة غير حكومية في سوريا، بينها 651 منظمة أُشهرت منذ بداية عام 2025، أي ما يزيد على ربع العدد الإجمالي. ويعكس ذلك توسعاً في نشاط القطاع، لكنه يطرح في الوقت نفسه أسئلة بشأن قدرته على الاستمرار، ومصادر تمويله، ومدى ارتباط برامجه بالأولويات الفعلية للمجتمعات المحلية.
وتبرز أهمية هذا التحول في ظل تداخل تحديات عدة، تشمل ضعف الإمكانات الاقتصادية، وتراجع الثقة بالمؤسسات، وتغير أولويات الجهات المانحة. وبينما تعمل الدولة على إعادة بناء مؤسساتها، يُنتظر من المنظمات أن تسهم في تحديد الاحتياجات المحلية وتنفيذ المبادرات التنموية ومراقبة جودة الخدمات، من دون أن تتحول إلى بديل عن مسؤوليات المؤسسات العامة أو تبقى مرتبطة بمشاريع مؤقتة تمليها أولويات التمويل الخارجي.
احتياجات متزايدة ودور يتجاوز الإغاثة
يرى الناشط في قضايا المجتمع المدني محمد سلطان، في تصريح لموقع«963+»، أن النقاش حول مستقبل المنظمات في سوريا يرتبط بصورة مباشرة بالتحديات التي تواجه البلاد خلال مرحلة الانتقال من الاستجابة الإنسانية إلى التعافي وإعادة الإعمار.
ويستند سلطان إلى التحليل المشترك للأمم المتحدة بشأن سوريا، الصادر في 31 آذار 2026، والذي تناول التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بعد سنوات الحرب، ووضع استعادة الثقة بين المواطنين والمؤسسات ضمن الأولويات العابرة للقطاعات.
وتتضح أهمية هذا الدور في ضوء حجم الاحتياجات الإنسانية، إذ تشير بيانات أممية أوردها تقرير عن الوضع الإنساني في سوريا إلى أن نحو 15.6 مليون شخص كانوا بحاجة إلى المساعدة خلال عام 2026، بما يعادل قرابة 60% من السكان وفق التقديرات السكانية المعتمدة في التقرير.
وفي المقابل، وصل متوسط عدد المستفيدين من الاستجابة الإنسانية خلال عام 2025 إلى نحو 3.82 ملايين شخص شهرياً، من أصل 10.6 ملايين استهدفتهم خطة الاستجابة.
ويقول سلطان إن المنظمات المحلية تمتلك معرفة مباشرة باحتياجات المجتمعات التي تعمل فيها، وقدرة على الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة، ما قد يساعد على توجيه الموارد بصورة أكثر كفاءة وتنسيق المشاريع وفق الأولويات الميدانية.
لكنه يشدد على أن نجاح هذا الدور يتطلب بقاء المنظمات شريكاً مكملاً للمؤسسات العامة، لا جهة تحل محلها أو تنفذ برامج قصيرة الأجل بمعزل عن الخطط الوطنية واحتياجات السكان.
من توزيع المساعدات إلى دعم الإنتاج وفرص العمل
من جهته، يلفت الخبير الاقتصادي عدنان الجاسم، إلى أن عمل كثير من المنظمات السورية ارتبط خلال سنوات الحرب بتقديم المساعدات الغذائية والخدمات الصحية والتعليمية ودعم الأسر المتضررة، وهو دور فرضته ظروف الطوارئ وتراجع قدرة المؤسسات العامة على تلبية الاحتياجات.
لكن الجاسم يرى أن استمرار هذا النموذج وحده لا يكفي لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، موضحاً أن هناك فرقاً بين تقديم مساعدة مؤقتة لأسرة محتاجة، وبين دعمها لتطوير مصدر دخل مستدام من خلال التدريب المهني أو تمويل مشروع صغير أو تسهيل وصولها إلى سوق العمل.
ويشير إلى أن المنظمات غير الحكومية تمتلك خبرة ميدانية وشبكات محلية يمكن توظيفها في برامج التعافي، إلا أن الانتقال إلى دور تنموي يتطلب العمل على خمسة مسارات مترابطة.
ويتمثل المسار الأول في دعم التشغيل والإنتاج، عبر التدريب المهني المرتبط باحتياجات سوق العمل، وتمويل المشاريع الصغيرة، ومساعدة المنتجين على الوصول إلى الأسواق وسلاسل التوريد.
أما المسار الثاني فيتعلق بالتعافي المحلي، من خلال المشاركة في تحديد أولويات إعادة تأهيل المرافق العامة وشبكات المياه والطرق والأسواق، بما يربط المشاريع المنفذة بالاحتياجات الفعلية للسكان.
ويشمل المسار الثالث توسيع فرص التمكين الاقتصادي أمام النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة والعائدين من النزوح واللجوء، في حين يرتبط الرابع بالحوكمة والمساءلة، عبر إتاحة المعلومات ومتابعة جودة الخدمات وتقديم مقترحات لتحسين الإنفاق العام.
ويتمثل المسار الخامس في تعزيز التماسك الاجتماعي، من خلال دعم الحوار المحلي وتسوية الخلافات المجتمعية وتشجيع التعاون بين الفئات والمناطق المختلفة.
وبحسب الجاسم، ينبغي تقييم أداء المنظمات استناداً إلى نتائج قابلة للقياس، مثل تحسن دخل الأسر، وزيادة فرص العمل، ورفع جودة الخدمات، وتوسيع المشاركة المجتمعية، بدلاً من الاكتفاء بأعداد المستفيدين أو الأنشطة المنفذة خلال فترة المشروع.
تجارب محلية بين أثر الدعم ومحدودية النتائج
تعكس شهادات من مناطق سورية مختلفة تفاوتاً في تقييم أثر المنظمات، بين مبادرات ساعدت أفراداً على استعادة نشاطهم الاقتصادي، وأخرى لم تنجح في إحداث تغيير مستدام في الخدمات أو فرص العمل.
ويقول أحمد اليوسف، صاحب ورشة نسيج في حلب أعاد تشغيلها بدعم من قرض صغير قدمته إحدى الجمعيات، لـ«963+»، إن التمويل ساعده على شراء المواد الأولية وإعادة تشغيل عاملين اثنين، ما أتاح له استئناف العمل وتأمين دخل لعائلته.
ويضيف أن المساعدات الإغاثية كانت ضرورية في مراحل سابقة، لكن التمويل الموجه إلى النشاط الإنتاجي ساعده على العودة إلى العمل بدلاً من الاعتماد على المساعدات.
في المقابل، يركز سامر عبد الحق، من ريف دمشق، على أهمية انعكاس المشاريع التنموية على حياة السكان، قائلاً لـ«963+» إن الإعلان عن البرامج والاجتماعات التشاورية لا يكفي ما لم يترافق مع تحسن في الخدمات وتوفير فرص عمل تستمر بعد انتهاء المشروع.
ويشير إلى أن معرفة معايير اختيار المستفيدين ووجود آليات واضحة لتقديم الشكاوى والحصول على إجابات، عناصر أساسية لبناء الثقة، مضيفاً أن بعض الإجراءات والوثائق المطلوبة من الجمعيات قد تجعل الوصول إلى الدعم صعباً بالنسبة إلى المواطنين.
وفي حمص، يوضح أشرف العلي، وهو عائد من لبنان بعد سنوات من النزوح، أن عودة أسرته إلى منزلها لم تنه مشكلاتها المعيشية، إذ لا تزال خدمات المياه والكهرباء والتعليم من أبرز التحديات التي تواجه الحي.
ويقول العلي لـ«963+» إن إحدى المنظمات المحلية ساعدت أسرته في إصلاح جزء من المنزل وربطتها ببرنامج للتدريب المهني، لكنه يرى أن معالجة الاحتياجات تتطلب تنسيقاً أوسع مع الجهات الحكومية، بحيث تشمل المشاريع الأحياء والمجتمعات المحلية، ولا تقتصر على تقديم مساعدات للأسر بصورة منفردة.
وتسلط هذه الشهادات الضوء على الفارق بين تدخلات تخفف الأعباء المباشرة، وأخرى تسعى إلى معالجة أسبابها الاقتصادية والخدمية، كما تبرز أهمية استمرار المشاريع وربطها بخطط محلية تتجاوز مدة التمويل.
شراكة مع الدولة تقوم على تبادل الأدوار
تؤكد الباحثة الاجتماعية ليلى السليمان، أن العلاقة بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني ينبغي أن تقوم على توزيع الأدوار والتكامل بينها، موضحة أن المؤسسات العامة لا تستطيع تحديد جميع الاحتياجات المحلية اعتماداً على البيانات الإدارية وحدها، في حين لا تستطيع المبادرات الأهلية تحقيق تنمية مستدامة بمعزل عن السياسات العامة والتشريعات والتمويل.
وتحدد السليمان ثلاثة أدوار رئيسية يمكن أن تؤديها المنظمات، أولها نقل احتياجات السكان إلى الجهات المعنية، من خلال رصد مشكلات التعليم والمياه والخدمات الأساسية التي قد لا تظهر بصورة دقيقة في الإحصاءات الرسمية.
ويمكن للجمعيات المحلية، بحسب السليمان، الاستفادة من الاستبيانات والاجتماعات المجتمعية وآليات تلقي الشكاوى لتكوين صورة أوضح عن أولويات السكان، لكن تحويل هذه المشاركة إلى شراكة فعلية يتطلب وجود آليات تضمن وصول المقترحات إلى الجهات المختصة، وتوضيح ما جرى الأخذ به وما تعذر تنفيذه وأسباب ذلك.
ويرتبط الدور الثاني بالرقابة المجتمعية ومتابعة كفاءة الإنفاق، خصوصاً مع اتساع المشاريع المرتبطة بالتعافي وإعادة الإعمار. فالتحدي، وفق السليمان، لا يتعلق بحجم التمويل المتاح فقط، وإنما أيضاً بكيفية توزيعه وتنفيذ المشاريع ومدى وصول نتائجها إلى المستفيدين.
وفي هذا السياق، يمكن للمنظمات المؤهلة متابعة تنفيذ المشاريع ونشر تقارير عن نتائجها وجمع ملاحظات السكان ورصد أوجه القصور، ضمن أطر قانونية تحافظ على استقلاليتها وتحمي المعلومات.
وتشدد السليمان على أن الرقابة المجتمعية لا تعني تولي المنظمات صلاحيات أجهزة الرقابة المالية والقضائية، أو منحها سلطة توجيه الاتهامات والتدخل في اختصاصات المؤسسات العامة، بل تمثل أداة مساندة تقوم على الشفافية وتوفير المعلومات والاستناد إلى الوقائع.
أما الدور الثالث، فيتمثل في المساهمة في استعادة الثقة بين المواطنين والمؤسسات، وهي عملية لا تتحقق بمجرد عقد الاجتماعات أو إعلان الشراكات، وإنما ترتبط بمدى استجابة الجهات المعنية للشكاوى والمقترحات، وتحسن الخدمات، ووضوح معايير توزيع الموارد.
وتضرب السليمان مثالاً على ذلك بمشاركة جمعية محلية في تحديد احتياجات قرية، ثم متابعة تنفيذ مشروع للمياه ونشر نتائج المتابعة، مقابل إعلان الجهة الحكومية كيفية التعامل مع الملاحظات الواردة. وترى أن هذا النوع من التعاون يمكن أن ينقل العلاقة بين السكان والمؤسسات من الوعود العامة إلى نتائج قابلة للتحقق.
في المقابل، تحذر من أن تقتصر المشاركة على حضور الاجتماعات والأنشطة الشكلية، أو أن تُهمل مقترحات السكان من دون توضيح الأسباب، لأن ذلك قد يضعف الثقة بدلاً من تعزيزها.
التمويل والاستقلالية أمام اختبار المرحلة المقبلة
مع اتساع عدد المنظمات وتغير طبيعة الاحتياجات في سوريا، لا يقتصر التحدي على زيادة التمويل، بل يمتد إلى كيفية استخدامه ومدى ارتباطه بالأولويات المحلية، وقدرة المؤسسات المدنية على الحفاظ على استقلالية قراراتها.
فالانتقال من العمل الإغاثي إلى التنمية يتطلب تمويلاً أكثر استقراراً، ومؤشرات واضحة لقياس النتائج، وشفافية في اختيار المستفيدين، إلى جانب تنسيق فعلي مع المؤسسات العامة والمجتمعات المحلية.
وفي ظل هذه المتطلبات، يبقى مستقبل المجتمع المدني مرتبطاً بقدرته على تحقيق توازن بين الاستجابة للاحتياجات العاجلة والعمل على حلول طويلة الأجل، من دون أن يتحول إلى بديل عن الدولة أو إلى منفذ لمشاريع تتحدد أولوياتها خارج المجتمعات المستهدفة.
وبذلك، فإن اتساع عدد المنظمات المسجلة لا يكفي وحده للحكم على تطور القطاع، ما لم يرافقه تحسن في أثره الاقتصادي والاجتماعي، وقدرته على تمثيل احتياجات السكان والمساهمة في صياغة أولويات التعافي ومتابعة تنفيذها.