عودة البطاقة الذكية في سوريا: هل يلوح شبح الطوابير مجدداً؟
مع تزايد الحديث عن احتمالية إعادة العمل بنظام “البطاقة الذكية” لتوزيع المحروقات في سوريا، يعود إلى واجهة النقاش ملف شائك اختبره السوريون طويلاً؛ ملف ارتبط في الذاكرة الشعبية بانتظار الرسائل النصية، والوقوف في طوابير طويلة أمام محطات الوقود، واللهث خلف مواعيد الحصول على المخصصات.
وتأتي هذه العودة المحتملة في وقت لا تزال فيه المحروقات تمثل أحد أثقل الأعباء المالية على كاهل الأسر، فضلاً عن انعكاس توافرها وأسعارها بصورة مباشرة على تكاليف النقل، والإنتاج، ومجمل أسعار السلع والخدمات الأساسية.
ذاكرة تجربة قاسية: بين التنظيم ومعاناة الانتظار
لا ينظر السوريون إلى تجربة البطاقة الذكية باعتبارها لمجرد نظام إلكتروني إداري لتنظيم توزيع الوقود، بل يستعيدونها عبر تفاصيل يومية مُضنية، بدءاً من انتظار “الرسالة النصية” المحددة للموعد، وصولاً إلى الوقوف الساعات الطوال أمام محطات الوقود لمحاولة تأمين البنزين أو المازوت في الوقت المناسب.
-
رأي المواطنين:
-
يرى محمد الصابر (مهندس كهرباء) أن العلة الحقيقية لا تكمن في البطاقة ذاتها، بل في قدرتها الفعلية على إيصال المحروقات للأسرة بعدالة وكفاية. وهو لا يرفض المبدأ شريطة أن تكون الكميات المقررة كافية ومناسبة للأسرة وبسعر مقبول.
-
في المقابل، تستعيد روَا الأغا (مدرسة لغة فرنسية) مرارة الانتظار، مؤكدة تفضيلها لآليات أكثر مرونة؛ وتقول: “لا أؤيد العودة إلى نظام البطاقة إطلاقاً، فالمرونة في الحصول على المستلزمات مباشرة أسهل بكثير، ولا نريد سياسات تذكرنا بالنظام القديم حتى لو تطلب الأمر صبراً وتعباً”.
-
أما هاشم المصطفى، الذي يعتمد كلياً على سيارته في تأمين قوت روزقه، فيحذر من أن تقييد الكميات لا يراعي تذبذب ساعات العمل والمسافات المقطوعة، ما سيضاعف الأعباء المعيشية ويرفع فوراً أجور النقل وأسعار البضائع.
-
خلال السنوات الماضية، تحولت البطاقة الذكية إلى وسيلة أساسية للحصول على المواد المدعومة. وقد اعتمد النظام على تسجيل الآليات والعائلات ضمن قاعدة بيانات، وتخصيص كميات محددة عبر الرسائل النصية. غير أن المشكلة الجوهرية بقيت متمثلة في شح المادة نفسها، فحتى التنظيم الإلكتروني عجز عن تلبية الطلب حين كانت الكميات المتاحة أقل بكثير من الاحتياجات الفعليّة.
أزمة مازوت حلب: اختبار للحلول الحكومية
في مدينة حلب، تتجسد قسوة أزمة المحروقات في شح متجدد لمادة “المازوت”، مما شل حركة النقل العام وأجبر العديد من وسائط النقل (السرافيس) على التوقف عن العمل، مضاعفةً معاناة الموظفين والطلاب والمواطنين في تنقلاتهم.
وفي محاولة حكومية لتوفير بدائل تتناسب مع مختلف الاستخدامات، طُرح نوع ثانٍ من المازوت في الأسواق بسعر 150 ليرة لليتر (وفقاً للتقرير)، إلى جانب أنواع أخرى تتباين بحسب الأسعار والمواصفات، في مسعى لتأمين استقرار الإمدادات بالمناطق التي تعاني عجزاً حاداً ينعكس على شرايين الاقتصاد وحركة النقل.
خلفيات الإدارة والتشغيل: شركة “تكامل” بالأرقام
تولت شركة “تكامل” سابقاً مهمة إدارة وتشغيل المنظومة الإلكترونية لتوزيع المحروقات والمواد المدعومة بموجب عقد مع نقابة عمال النفط في دمشق امتد لعقد كامل بدأ في نيسان 2016.
وقد ارتبطت ملكية الشركة، قبيل التغييرات السياسية الأخيرة في سوريا، بأسماء مقربة من عائلة الأسد؛ إذ شغل مهند الدباغ رئاسة مجلس الإدارة بحصة بلغت 30%، بينما أشارت البيانات آنذاك إلى امتلاك فراس الأخرس (شقيق أسماء الأسد) الحصة الأكبر.
وبحسب تقارير نقابة عمال النفط في دمشق، بلغ إجمالي البطاقات الممنوحة حتى نهاية عام 2022 نحو 5 ملايين و725 ألفاً و827 بطاقة، توزعت كالتالي:
-
4 ملايين و207 آلاف و265 بطاقة عائلية.
-
مليون و518 ألفاً و562 بطاقة مخصصة للآليات.(مع الإشارة إلى أن البطاقة العائلية قد تضم أكثر من فرد، في حين ترتبط بطاقات الآليات بالمركبات المسجلة).
رؤية اقتصادية: المشكلة أعمق من مجرد بطاقة إلكترونية
يؤكد الخبير الاقتصادي محمد الحسيني أن مجرد العودة للبطاقة الذكية لا يشكل حلاً لأزمة الطاقة في سوريا، مشدداً على ضرورة تجاوز النقاش حول “كيفية توزيع الكميات المتاحة” إلى التفكير في “كيفية زيادة المعروض، تنويع مصادر الطاقة، وإعادة هيكلة القطاع بأكمله”.
ويوضح الحسيني قائلاً: “العودة للبطاقة الذكية ليست حلاً لأن التجربة سُبقت وأثبتت عدم نجاعتها.. تعريف الأزمة على أنها مشكلة توزيع فقط يقود لخطأ المعالجة، بينما الأزمة الحقيقية أعمق من ذلك بكثير”.
أبرز الحلول التي يقترحها الخبير الاقتصادي تشمل:
-
إعادة هندسة قطاع الطاقة: الانطلاق برؤية متكاملة تبني مزيجاً طاقياً متنوعاً يمنح مساحة واسعة للطاقة المتجددة (لا سيما الشمسية)، إلى جانب إصلاح قطاع إنتاج وتوزيع الكهرباء.
-
الانتقال من “إدارة الندرة” إلى “بناء السوق”: خلق بيئة قادرة على زيادة المعروض وتوفير مصادر متعددة وخلق بدائل تنافسية.
-
فصل دور الدولة التنظيمي عن التجاري: أن تقتصر مهمة وزارة الطاقة على وضع السياسات والقواعد الناظمة، بدلاً من لعب دور المنظم والمنافس التجاري في آن واحد.
-
فتح المجال للقطاع الخاص: السماح للقطاع الخاص بالمشاركة في استيراد الطاقة وتأمينها وتوزيعها، والاستفادة من خطوط الإمداد المتاحة (مثل النفط العراقي)، فضلاً عن التوسع بمشاريع الطاقة الشمسية.
وبينما يرتقب المواطن السوري شكل الآلية القادمة لتوزيع المحروقات، يبقى التساؤل الأهم مطروحاً: هل ستقتصر السياسة الجديدة على إدارة الشح وتوزيع الموجود، أم ستتجه نحو استراتيجية شاملة تزيد المعروض، تنوع مصادر الطاقة، وتخفف الاعتماد المفرط على الوقود التقليدي؟
اقرأ أيضاً:غلاء البنزين يدفع سائقي الأجرة في سوريا إلى السيارات الكهربائية
اقرأ أيضاً:البنزين المغشوش في سوريا.. خطأ «تشغيلي» والحساب على جيوب المواطنين