البنزين المغشوش في سوريا.. خطأ «تشغيلي» والحساب على جيوب المواطنين

في سوريا، قد لا تحتاج إلى حادث سير كي تتعطل سيارتك؛ يكفي أن تملأ خزانها بالوقود الذي يفترض أن يشغّلها. أما إذا خرجت المركبة من محطة الوقود وهي أقرب إلى ورشة إصلاح متنقلة، فالتفسير الرسمي جاهز: خطأ تشغيلي. هكذا اختصرت وزارة الطاقة أزمة البنزين غير المطابق للمواصفات، تاركةً لأصحاب السيارات مهمة اكتشاف الأضرار ودفع كلفتها، فيما بقيت تفاصيل التعويض مؤجلة إلى إشعار آخر.

أعلنت الوزارة، الثلاثاء 13 تشرين الأول، انتهاء التحقيقات في قضية شحنة بنزين غير مطابقة للمواصفات، قالت إنها أُفرغت في خزانات الشركة السورية للبترول، ثم اختلطت بكميات مطابقة أثناء محاولة إعادتها إلى مصدرها عبر الأنابيب، نتيجة «خطأ فني تشغيلي». وبحسب الرواية الرسمية، وصل جزء من الوقود إلى السوق المحلية، حيث بدأت شكاوى أصحاب السيارات من الأعطال والأضرار.

وبذلك، لم تعد المشكلة في شحنة غير مطابقة فحسب، بل في سلسلة إجراءات سمحت لها بالوصول إلى خزانات التخزين، ثم اختلاطها بوقود سليم، وصولاً إلى المستهلك. ومع ذلك، يبدو أن أكثر ما استقر عليه التحقيق حتى الآن هو اسم الخطأ، لا حجم المسؤولية ولا كلفة ما ترتب عليه.

الخطأ معروف.. فمن يتحمل الفاتورة؟

اللافت أن الوزارة تحدثت عن محاسبة قانونية للمسؤولين، وأعلنت أن الشركة السورية للبترول ستحدد آلية للتعويض وتنفيذها على مراحل. لكن الإعلان لم يحدد قيمة التعويضات، ولا شروط استحقاقها، ولا موعد بدء الدفع.

أي إن المواطن حصل على وعد بالتعويض، من دون أن يعرف متى سيحصل عليه أو كيف سيُحتسب. ويمكنه، في هذه الأثناء، أن يبدأ رحلة إصلاح سيارته على نفقته، ريثما تكتمل المراحل الإدارية التي يبدو أنها تسير بإيقاع مختلف تماماً عن سرعة وصول البنزين إلى الخزانات.

أما وصف ما حدث بأنه «خطأ فني تشغيلي»، فلا يجيب عن السؤال الأهم: كيف وصلت شحنة غير مطابقة إلى خزانات الشركة أصلاً؟ ولماذا لم تُعزل قبل أن تختلط بكميات أخرى؟ ومن المسؤول عن إجراءات التخزين والنقل والرقابة؟ فالتسمية الفنية قد تشرح نوع الخلل، لكنها لا تعفي أحداً من تحديد المسؤولية.

من «العينات سليمة» إلى وقود يعطّل السيارات

في السادس من تشرين الأول، قالت شركة سادكوب إن العينات التي فُحصت حتى ذلك الوقت ضمن سلسلة التوريد كانت مطابقة للمواصفات، مع الإقرار بوجود وقود غير مطابق في السوق واستمرار البحث عن مصدره ومساره.

وبعد أيام، ظهرت رواية الشحنة التي اختلطت بالوقود المطابق. وبين التصريحين، بقي أصحاب السيارات أمام واقع لا يحتاج إلى بيانات مخبرية كي يثبت أثره: شكاوى من أعطال بعد التزود بالوقود، وأوصاف لبنزين داكن اللون، تراوحت بين الأحمر القاتم والأسود تقريباً.

ليس المطلوب من المواطن أن يفهم كيف تعمل الأنابيب أو أن يحدد موضع الخلل في منظومة التخزين. المطلوب ببساطة أن يحصل على وقود مطابق، وأن تكون هناك جهة تتحمل المسؤولية عندما يحدث العكس. لكن يبدو أن المستهلك بات مطالباً، إلى جانب دفع ثمن البنزين، بتحمل مخاطر جودته أيضاً.

أزمة وقود.. وأزمة في إدارة الأزمة

تأتي القضية فيما تشهد محافظات سورية نقصاً في المشتقات النفطية. ووفق تقارير «عنب بلدي»، سُجلت اختناقات في البنزين والمازوت في حلب واللاذقية وحماة، مع إغلاق بعض المحطات، فيما تركز النقص في المازوت في درعا ودير الزور وطرطوس، مقابل تحسن نسبي في مناطق أخرى بعد وصول إمدادات جديدة.

في سوق تعاني أصلاً من صعوبة تأمين الوقود، يصبح وصول شحنة غير مطابقة ثم اختلاطها بكميات سليمة إخفاقاً يتجاوز الخلل الفني المعلن. فالمشكلة ليست فقط في وقود أضرّ بمركبات المواطنين، بل في رقابة لم تمنع وصوله، وإجراءات لم تحاصر أثره، وتعويضات لم تتحول بعد إلى التزام واضح ومحدد.

أما المحاسبة، فلا يكفي أن ترد في البيان بصيغة المستقبل، ولا التعويض أن يبقى وعداً قابلاً للتنفيذ على مراحل مجهولة. فالمواطن الذي تعطلت سيارته لا يستطيع إصلاحها بعبارة «خطأ تشغيلي»، ولا دفع فاتورة الميكانيكي ببيان رسمي. وإذا كانت الوزارة قد عرفت أخيراً كيف اختلط البنزين، فعليها أن توضح أيضاً من سمح بحدوث ذلك، ومن سيدفع ثمنه، ومتى. وإلى أن تتضح الإجابات، يبقى الخلل موصوفاً بدقة، فيما تبقى كلفته على الطرف الذي لم يرتكب الخطأ أصلاً: المواطن.

 

اقرأ ايضاً: مطالب بإقالة مدير الشركة السورية للبترول ومحاسبة المسؤولين عن أزمة البنزين الأحمر

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.