غلاء البنزين يدفع سائقي الأجرة في سوريا إلى السيارات الكهربائية
يتجه عدد من سائقي سيارات الأجرة في سوريا إلى اقتناء السيارات الكهربائية، ولا سيما الصينية منها، في محاولة للحد من تكاليف التشغيل التي ارتفعت مع زيادة أسعار المحروقات وتراجع جودة بعض الشحنات. ويأتي هذا التوجه بالتزامن مع تسهيلات في استيراد السيارات وخفض الرسوم الجمركية، رغم استمرار العقبات المرتبطة بارتفاع كلفة الشراء وضعف البنية التحتية للشحن.
ويعكس التحول، الذي بدأ يظهر في سوق النقل داخل دمشق، بحث السائقين عن خيارات أقل كلفة على المدى التشغيلي، في ظل تراجع العائد الذي يحققونه من العمل بسيارات البنزين، بعد احتساب نفقات الوقود والصيانة.
ومن بين هؤلاء السائق محمد كنعان، الذي استبدل سيارته العاملة بالبنزين بأخرى كهربائية، على أمل تحسين دخله اليومي. وقال لوكالة «فرانس برس» إنه واجه صعوبات بسبب ارتفاع سعر البنزين وتراجع جودته، ما دفعه إلى اتخاذ قرار شراء سيارة كهربائية.
وبحسب كنعان، فإن تشغيل سيارته السابقة كان يستهلك جزءاً كبيراً من دخله، بينما يأمل أن تتيح له السيارة الجديدة الاحتفاظ بهامش ربح أكبر.
ارتفاع أسعار الوقود يعزز الإقبال على السيارات الكهربائية
لم يكن توجه كنعان حالة منفردة، إذ بدأ سائقون آخرون، بينهم العاملون في خدمات التوصيل، البحث عن سيارات كهربائية أو هجينة قابلة للشحن، بهدف تقليل النفقات اليومية.
وتزامن ذلك مع زيادة أسعار البنزين بنحو 26% في أيلول الماضي، وفق ما ورد في التقرير، وهي زيادة أثارت احتجاجات في عدد من المناطق السورية، في وقت تعتمد فيه البلاد جزئياً على استيراد المشتقات النفطية لتغطية احتياجات السوق.
وساهمت التغيرات التي شهدها سوق السيارات بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024 في توسيع الخيارات المتاحة أمام المشترين. فبعد سنوات من القيود على الاستيراد وارتفاع الرسوم الجمركية، دخلت أعداد كبيرة من السيارات إلى السوق السورية مع تخفيف الإجراءات.
وأحصت وزارة النقل دخول نحو 100 ألف سيارة خلال الأشهر الخمسة التي أعقبت سقوط النظام السابق. ومع تزايد الواردات، اتخذت السلطات قراراً بوقف استيراد السيارات المستعملة، مع الإبقاء على بعض الاستثناءات، وسط مخاوف تتعلق بجودة السيارات المستوردة والضغط على البنية التحتية والاقتصاد.
فرق في كلفة التشغيل بين البنزين والكهرباء
تظهر المقارنة بين كلفة استخدام البنزين وشحن السيارات الكهربائية أحد أبرز أسباب توجه السائقين إلى هذا الخيار.
ويقدّر كنعان أن قطع مسافة 200 كيلومتر بسيارة تعمل بالبنزين يكلفه نحو 26 دولاراً، في حين لا تتجاوز كلفة شحن سيارته الكهربائية للمسافة نفسها ستة دولارات، وفق حساباته. ولهذا أنشأ نقطة شحن خاصة قرب منزله لتأمين احتياجات سيارته.
ولا تقتصر دوافع التحول على ارتفاع الأسعار، بل تشمل أيضاً المخاوف من جودة الوقود. ففي الأسابيع الماضية، أبلغ سائقون عن أعطال ميكانيكية أصابت مئات السيارات بعد استخدام دفعة من البنزين غير المطابق للمواصفات، بحسب إفادات نقلتها «فرانس برس» وتقارير محلية.
وأقرت وزارة الطاقة بوصول كميات من البنزين غير المطابق إلى الأسواق، وعزت ذلك إلى ما وصفته بـ«خطأ تشغيلي»، متعهدة بمحاسبة المسؤولين عن الحادثة وتعويض المتضررين.
السيارات الكهربائية تتقدم في المبيعات
في سوق السيارات، يلاحظ مستوردون زيادة الطلب على المركبات الكهربائية والهجينة، خصوصاً من جانب العاملين في قطاع النقل.
وقال حمزة سكر، البالغ من العمر 25 عاماً، والذي تعمل عائلته في استيراد السيارات، لـ«فرانس برس»، إن الطلب على السيارات الكهربائية والهجينة القابلة للشحن ارتفع خلال الأشهر الثمانية الماضية، مع زيادة أسعار البنزين والمشكلات المرتبطة بجودته.
وأوضح أن أسعار السيارات الكهربائية في المعرض الذي تعمل فيه عائلته تبدأ من نحو 9 آلاف دولار، بينما يتجاوز سعر أرخص السيارات العاملة بالبنزين 12 ألف دولار، مشيراً إلى أن المبيعات الحالية تشمل ثلاثاً إلى أربع سيارات كهربائية مقابل كل سيارة تعمل بالبنزين.
وتظهر مؤشرات مشابهة لدى شركات النقل عبر التطبيقات. إذ قال رامي الحمد، مدير التشغيل في دمشق وريفها لدى شركة «يلا غو!»، إن عدد السيارات الكهربائية المسجلة لدى الشركة ارتفع بنحو 20% خلال الأشهر الأخيرة.
وعزا الحمد هذا التغير إلى انخفاض نفقات التشغيل مقارنة بسيارات البنزين، ما يتيح للسائقين الاحتفاظ بجزء أكبر من دخلهم بعد تغطية تكاليف العمل.
تحديات التمويل والشحن والصيانة
رغم المزايا التشغيلية التي توفرها السيارات الكهربائية، لا يزال انتشارها مرتبطاً بعدد من التحديات التي قد تحد من توسع استخدامها في سوريا.
ويأتي في مقدمتها ارتفاع كلفة شراء السيارة مقارنة بالقدرة الشرائية لشريحة واسعة من السكان، إذ لا تتوافر خيارات التمويل بسهولة للجميع، كما أن شراء سيارة جديدة بالدولار يبقى خارج إمكانات كثير من السائقين.
وتبرز أيضاً مشكلة تأمين الشحن بصورة منتظمة، في ظل الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي وضعف البنية التحتية المخصصة لشحن المركبات. ويضاف إلى ذلك تحدي الصيانة وتوافر قطع الغيار والخبرات الفنية اللازمة للتعامل مع السيارات الكهربائية.
وبذلك، يرتبط استمرار التحول نحو هذا النوع من المركبات بمدى توافر حلول عملية للشحن والصيانة، إلى جانب قدرة السائقين على تحمل تكاليف الشراء الأولية.
ويشير توجه سائقي الأجرة إلى السيارات الكهربائية إلى تغير تدريجي في سوق النقل السورية، تحركه بالدرجة الأولى حسابات النفقات والعائد اليومي. لكن اتساع هذا التحول لن يتوقف على أسعار البنزين وحدها، بل سيتأثر أيضاً باستقرار الكهرباء، وتوافر محطات الشحن، وإمكانية الوصول إلى السيارات وقطع غيارها بأسعار مناسبة.