مازوت حلب في دوامة الانقطاع: أسباب متجذرة وتعهدات حكومية باحتواء الأزمة
تتواصل أزمة اختفاء مادة المازوت في مدينة حلب شمالي سوريا، حيث تبدو معظم محطات الوقود خالية تماماً من المادة، وذلك على الرغم من انفراجة محدودة لم صمدت سوى أيام معدودة، لتتبعها أزمة مماثلة منتصف شهر تشرين الأول/ أكتوبر الجاري.
وفي الوقت الذي تواصل فيه الجهات المعنية إطلاق الوعود بقرب استئناف التوريدات وتغطية احتياجات المحطات في غضون 48 ساعة، تتصاعد الضغوط المعيشية والخدمية على السكان وقطاعات النقل، وسط تساؤلات ملحة حول أسباب تكرار هذا النقص وقدرة منظومة الإمداد على إرساء استقرار حقيقي في السوق.
محطات خاوية ووعود متجددة بالتوريد
تشهد محطات الوقود في حيي الشعار وقاضي عسكر، ومن ضمنها محطة “طيبة” شبه الحكومية، خلوّاً تاماً من مادة المازوت مقابل توافر مادة البنزين.
وأظهرت البيانات الصادرة عن تطبيق “عجب وين؟” المخصص لمتابعة حالة محطات الوقود، غياب المخزون لدى الغالبية الساحقة من المحطات، باستثناء عدد محدود شهد ازدحاماً خانقاً، بينما اضطرت محطات أخرى لإغلاق أبوابها مؤقتاً بسبب شح المشتقات النفطية، بحسب ما أفادت به شبكة “عنب بلدي”.
من جانبه، أرجع عضو المكتب التنفيذي في محافظة حلب المسؤول عن قطاع الطاقة، يوسف الشبلي، الأزمة إلى تراجع التوريد من المصدر. وأوضح أن ربط ناقلة المازوت القادمة من شركة “أرامكو” السعودية قد تم بنجاح وبدأت عمليات تحميل الحصص المخصصة للمحافظة.
وأشار الشبلي إلى أن من أصل أكثر من 500 طلب توريد مقدم لصالح حلب، جرت الموافقة على 200 طلب، وشهدت المرحلة الأولى تحميل أكثر من 50 صهريجاً مع وجود توقعات بارتفاع الرقم إلى نحو 100 صهريج بحلول منتصف الليل. ووفقاً لتقديرات المسؤول ذاته، تحتاج المدينة نحو 48 ساعة لتأمين تغطية كاملة لمطحناتها ومحطاتها، وسط استمرار التنسيق بين المحافظة ووزارة الطاقة والشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية “سادكوب” لمراقبة حركة الإمدادات.
جهود حكومية وتعثر متكرر في سلاسل الإمداد
في السياق ذاته، توقع مدير المكتب الإعلامي في وزارة الطاقة، عبد الحميد سلات، وصول المادة إلى كافة محطات المدينة مساء يوم الجمعة، إثر توجيه صهاريج إضافية لتعويض النقص الحاصل.
غير أن هذه الوعود جاءت على وقع تعثر مشابه شهدته المحافظة منتصف الشهر، حين عزَت المحافظة الأزمة آنذاك إلى خلل في سلاسل الإمداد التي تشمل عمليات الاستيراد وتفريغ البواخر والتوزيع، وهي وعود بالاستقرار لم تنجح في منع تجدد النقص لاحقاً.
ويؤكد هذا التكرار المستمر للانقطاعات أن وصول دفعات إسعافية جديدة لا يكفي بمفرده لتحقيق الاستقرار المنشود في السوق، ما لم تنتظم عمليات النقل والتوزيع بصورة مستدامة تتناسب مع حجم الاحتياجات الفعلية لمحافظة حلب.
وتعتمد حلب في تأمين احتياجاتها على الإمدادات المنقولة من خزانات بانياس نحو محطات التوزيع، وذلك بعد خروج خزانات الراموسة عن الخدمة إثر الدمار الذي لحق بها خلال سنوات الحرب. كما يضاعف النقص الحاد في عدد الصهاريج المخصصة لنقل المشتقات النفطية من صعوبة احتواء الأزمات بشكل فوري، فضلاً عن التحديات الهيكلية الأوسع التي تواجه قطاع الطاقة في سوريا، والمتمثلة في الفجوة الواسعة بين حجم الإنتاج المحلي ومعدلات الاستهلاك والاعتماد الكلي على مسار الاستيراد.
تحولات مرتقبة وعزل مصرفي مكسور
على صعيد متصل، كانت الشركة السورية للبترول قد أعلنت في 11 تشرين الأول الجاري عن توقيع اتفاق استراتيجي مع شركة “أرامكو” السعودية لتوريد المشتقات النفطية. ووصلت أول شحنة ديزل ناتجة عن هذا الاتفاق إلى ميناء بانياس بحمولة قدرت بنحو 63.8 ألف طن، وبدأت عمليات تفريغها في التاسع عشر من الشهر ذاته.
وفي تصريحات لوكالة “رويترز”، كشف المدير التنفيذي للشؤون المالية في الشركة السورية للبترول، محمد قوجة، أن بنك “جيه بي مورغان” الأميركي أسهم في تأكيد خطاب الاعتماد الذي أتاح تنفيذ هذا الاتفاق، لتسجل بذلك أول عملية من نوعها منذ 14 عاماً.
وأضاف قوجة أن سوريا تسلمت نحو 65 ألف طن من الديزل، مع تطلع الشركة لتوسيع نطاق الشحنات القادمة لتشمل مادة البنزين ثم النفط الخام الخفيف. ورغم أن هذا الاتفاق يعزز من فرص تأمين إمدادات إضافية على المدى المتوسط، إلا أن انعكاسه الفعلي على السوق المحلية يظل مرهوناً بانتظام تدفق الشحنات وسرعة إيصالها إلى مختلف المحافظات.
تداعيات قاسية على النقل والكهرباء والقطاع الصناعي
تنكشف آثار أزمة المازوت بوضوح في التفاصيل اليومية لحياة سكان حلب؛ فقد تسببت موجة الشح السابقة في تراجع ملحوظ بأعداد وسائل النقل العامة العاملة، مما أدى إلى تكدس الطلاب والموظفين في الشوارع. واضطر عدد من السائقين للجوء إلى السوق السوداء وشراء الوقود من باعة غير نظاميين بأسعار باهظة، وسط مخاوف جدية من تداعيات ذلك على محركات مركباتهم.
وفي السياق الخدمي ذاته، شهدت اشتراكات مولدات الكهرباء الخاصة قفزة سعرية، صعدت معها كلفة الأمبير الأسبوعي من 700 إلى 1000 ليرة سورية جديدة، لترتب أعباء مالية إضافية على الأسر في الأحياء المعتمدة على المولدات.
وامتدت ارتدادات الأزمة لتلقي بظلالها على محافظة إدلب المجاورة، حيث شهدت محطات الوقود هناك ازدحامات ملحوظة نتيجة إقبال بعض سكان حلب على تأمين احتياجاتهم منها، الأمر الذي ضاعف الضغط على الإمدادات في المحافظتين وأثار تساؤلات حول تسرب كميات الوقود إلى السوق الموازية بالتزامن مع شحها في المحطات النظامية.
وعلى العكس من أزمة المازوت، أكد المسؤول يوسف الشبلي توافر مادة البنزين في محطات حلب -بما يشمل نوعي أوكتان 90 وأوكتان 95 المتوافرين على نطاق واسع- نافياً وجود أي أزمة مشابهة فيهما، وتأتي هذه التطمينات لاحقاً لأزمة سابقة تمثلت في بنزين غير مطابق للمواصفات تسبب بأعطال في المركبات وخسائر فادحة لأصحابها، والتي عزتها وزارة الطاقة حينها إلى خطأ تشغيلي عرضي.
ومع استمرار شح المازوت، تتجاوز تداعيات الموقف حدود طوابير الانتظار في المحطات لتطال كلف النقل، وتشغيل المولدات، والورش، والمنشآت الإنتاجية.
وتكتسب هذه التداعيات حساسية مضاعفة نظراً لكون حلب أحد أبرز المراكز الصناعية والاقتصادية في سوريا، حيث يمثل الوقود العصب الأساسي لاستمرار عجلة الإنتاج.
ومن هذا المنطلق، لا تقتصر الانفراجة الحقيقية المرجوة على نجاح وصول الصهاريج خلال الساعات المقبلة فحسب، بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة الجهات الرسمية على ضمان تدفق مستدام ومستقر للإمدادات بما يمنع تكرار الأزمة ويخفف من وطأتها الاقتصادية والاجتماعية على المواطنين والأسواق.
اقرأ أيضاً:البنزين المغشوش في سوريا.. خطأ «تشغيلي» والحساب على جيوب المواطنين