أزمة السيولة في سوريا تثير الجدل حول دور الصندوق السيادي ومصير الأموال
في ظل استمرار أزمة السيولة في سوريا وتراجع القدرة الشرائية، عاد دور الصندوق السيادي السوري إلى واجهة النقاش الاقتصادي، وسط تساؤلات بشأن حجم الأموال التي يديرها، وآليات استثمارها، ومدى مساهمتها في تنشيط الإنتاج وتحريك الأسواق المحلية.
ويرى الخبير الاقتصادي جورج خزام أن احتفاظ الصندوق السيادي بالأموال بعيداً عن التداول، بدلاً من توجيهها إلى مشروعات استثمارية وقروض إنتاجية، قد يسهم في تعميق أزمة السيولة، ويؤدي إلى تراجع الطلب والاستهلاك والإنتاج، بما ينعكس سلباً على القوة الشرائية للمواطنين.
وفي منشور عبر منصة «فيسبوك»، دعا خزام إلى إعادة النظر في أولويات إدارة الموارد المالية، وتوجيهها نحو القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الصناعة والزراعة، بهدف توفير فرص العمل، وزيادة إنتاج السلع المحلية، وتعزيز الصادرات وتقليل الاعتماد على المستوردات.
جورج خزام ينتقد احتجاز السيولة داخل الصندوق السيادي السوري
يرى جورج خزام أن توظيف الأموال في الأنشطة الاقتصادية المنتجة أكثر فاعلية في مواجهة الركود وضعف القوة الشرائية من إبقائها خارج الدورة الاقتصادية، مشيراً إلى أهمية توفير التمويل اللازم للمصانع والمشروعات الزراعية والإنتاجية.
وبحسب طرحه، فإن ضخ الأموال في مشروعات قادرة على زيادة الإنتاج وتوفير فرص العمل يمكن أن يعزز النشاط الاقتصادي، ويرفع المعروض من السلع المحلية، ويسهم في تقليل الحاجة إلى الاستيراد والطلب على الدولار.
ويعتبر خزام أن الصناديق السيادية يفترض أن تؤدي دوراً في إدارة الفوائض والاحتياطيات ومواجهة الأزمات الاقتصادية، من دون أن تتحول، وفق رؤيته، إلى وسيلة لاحتجاز السيولة التي يحتاج إليها الاقتصاد خلال فترات الركود.
لكن أثر الصندوق السيادي في أزمة السيولة السورية يظل بحاجة إلى بيانات مالية واضحة ودراسات مستقلة تحدد حجم الأموال المتاحة وطبيعة الأصول التي يديرها ومدى إمكانية توظيفها في تمويل الأنشطة الإنتاجية.
سعر الدولار في سوريا بين تقديرات السوق والسياسة النقدية
تطرق خزام إلى مسألة سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية، منتقداً محاولات تثبيت السعر عند مستويات تقل عن السعر الذي يراه معبّراً عن واقع السوق.
وقال إن محاولة إبقاء سعر الدولار دون 15 ألف ليرة سورية، وهو المستوى الذي يشير إلى أنه كان قائماً قبل سقوط النظام السابق، لا تنسجم، بحسب تقديره، مع الأسعار الفعلية للسلع، التي يرى أنها تُحتسب على أساس سعر صرف يتجاوز 19 ألف ليرة.
ويربط خزام بين توافر الدولار ودوران عجلة الاقتصاد، معتبراً أن تجميع الأموال بالعملة الأجنبية داخل الصندوق السيادي، بدلاً من توجيه جزء منها إلى النشاط الاقتصادي، قد يحدّ من حركة الأسواق.
غير أن تحديد أسباب أزمة السيولة وسعر الصرف يتطلب النظر أيضاً إلى عوامل أخرى، منها حجم الإنتاج والصادرات، وتوافر القطع الأجنبي، والسياسة النقدية، وقدرة المصارف على توفير التمويل.
أزمة السيولة في سوريا وتراجع النشاط الاقتصادي
تأتي هذه التصريحات في وقت يواجه فيه الاقتصاد السوري تحديات مرتبطة بضعف النشاط الإنتاجي، وصعوبات الوصول إلى التمويل، واضطرابات تداول العملة المحلية.
وأشار البنك الدولي، في تقييم للاقتصاد السوري صدر في 7 تموز/يوليو 2025، إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.5% خلال عام 2024، مع توقع نمو محدود بنحو 1% في عام 2025، في ظل استمرار القيود على السيولة والمساعدات الخارجية.
كما رصد التقرير نقص الأوراق النقدية واضطرابات تداول العملة المحلية، ضمن التحديات التي تواجه الاقتصاد السوري بعد سنوات من الصراع.
ولا ترتبط أزمة السيولة فقط بحجم الأموال المتاحة في الاقتصاد، بل تشمل أيضاً قدرة القطاع المصرفي على تحويل المدخرات إلى قروض وتمويلات فعلية للأفراد والشركات، بما يسمح بتوسيع الأعمال وزيادة الإنتاج.
وفي هذا السياق، أشار تقرير لوكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، استناداً إلى مصادر متعددة في تموز/يوليو 2025، إلى استمرار القيود على السحب المصرفي واضطرابات أنظمة الدفع الإلكتروني، الأمر الذي حدّ من قدرة المواطنين على الوصول إلى أموالهم وإتمام معاملاتهم المالية.
الصندوق السيادي السوري وحجم الأصول وسط غياب الشفافية المالية
يثير الصندوق السيادي السوري تساؤلات بشأن حجم الأصول التي يديرها، ومصادر إيراداته، وطبيعة استثماراته، ومدى انعكاس نشاطه على الاقتصاد الوطني.
وذكرت صحيفة «فايننشال تايمز» أن الصندوق لم ينشر كشفاً شاملاً بأصوله وحساباته المالية، رغم اتساع نشاطه في قطاعات تشمل العقارات والصناعة والمصارف. كما نقلت الصحيفة تقديراً تبلغ بموجبه قيمة الأصول نحو 50 مليار دولار، مع الإشارة إلى غياب بيانات منشورة تسمح بالتحقق المستقل من هذا الرقم.
ويجعل نقص الإفصاح المالي من الصعب تقييم الأداء الفعلي للصندوق، أو تحديد حجم السيولة التي يمكن توجيهها إلى مشروعات إنتاجية، أو معرفة العوائد التي يحققها والمصروفات التي يتحملها.
في المقابل، تقول الجهات الرسمية إن الصندوق السيادي يهدف إلى حماية أصول الدولة وتنميتها، وجذب الاستثمارات، والمساهمة في تحقيق النمو الاقتصادي، مؤكدة أن أصوله وعوائده تعود ملكيتها إلى الدولة السورية.
وبين الطرحين، تبرز أهمية نشر بيانات مالية دورية توضح حجم الأصول والاستثمارات والإيرادات والأرباح، وتتيح تقييم مساهمة الصندوق في دعم الاقتصاد السوري.
هل يستطيع الصندوق السيادي المساهمة في حل أزمة السيولة السورية؟
يتجاوز الجدل بشأن الصندوق السيادي مسألة الاحتفاظ بالأموال أو ضخها في الأسواق، ليشمل طبيعة الاستثمارات التي ينفذها، ومدى قدرتها على توليد إيرادات مستدامة، وآليات توجيه هذه الإيرادات إلى القطاعات الأكثر حاجة إلى التمويل.
فاستثمار الأموال في الصناعة والزراعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة يمكن أن يسهم في توفير فرص العمل وزيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على المستوردات، إذا توافرت بيئة استثمارية مناسبة وآليات تمويل فعالة.
لكن ضخ السيولة وحده لا يضمن تحقيق نمو اقتصادي مستدام، ما لم يترافق مع تحسين الخدمات المصرفية، وتسهيل حصول الشركات على القروض، وتوفير الطاقة والمواد الأولية، ومعالجة العقبات التي تواجه الإنتاج، وتعزيز الثقة بالعملة المحلية.
كما أن تقييم دور الصندوق السيادي في معالجة الأزمة يتطلب معلومات دقيقة عن أصوله والتزاماته واستثماراته، إلى جانب بيانات توضح حجم الأموال القابلة للتوظيف والعوائد المتوقعة منها.
وفي ظل استمرار الضغوط الاقتصادية في سوريا، يبقى السؤال الأساسي مرتبطاً بكيفية تحويل الموارد المالية المتاحة إلى استثمارات منتجة، قادرة على تنشيط الأسواق وخلق فرص العمل وتحسين القدرة الشرائية، مع ضمان الشفافية والمساءلة في إدارة أصول الدولة.
إقرأ أيضاً: مكافحة الفساد في سوريا: هل تنجح الأجهزة الرقابية في استرداد المال العام ومحاسبة المتورطين؟
إقرأ أيضاً: الصندوق السيادي السوري والأصول المستردة: هل تتحول الثروة العامة إلى استثمارات منتجة؟