خبز الحسكة بين سوء الجودة وتعطل الأفران.. عقود التحديث لا تطعم الأهالي اليوم
لا يحتاج أهالي الحسكة إلى وعود جديدة بشأن تحسين الخبز بقدر حاجتهم إلى رغيف صالح للأكل، يصل في موعده ولا يضطرون إلى تجفيفه أو استبداله بمنتج أعلى كلفة. فبعد شكاوى متكررة من احتراق الخبز أو عدم نضجه وانبعاث رائحة تخمير منه، بات بعض السكان يتجهون إلى الباعة والأفران السياحية، مضيفين نفقات جديدة إلى احتياجاتهم اليومية.
وفي وقت تقر فيه الجهات المعنية بأن جودة الرغيف لا تزال دون المستوى المأمول، تتحدث عن عقود لتحديث المخابز وخطط لإعادة تأهيلها. لكن هذه الإجراءات، مهما كانت ضرورية، لا تجيب وحدها عن سؤال الأهالي الأكثر إلحاحاً: لماذا ما زال الخبز المنتج في الأفران العامة عاجزاً عن تلبية الحد الأدنى من الجودة والاستمرارية؟
رغيف يحتاج إلى التجفيف قبل تناوله
يقول محمد الجاسم، أحد سكان مدينة الحسكة، إن الخبز يصل أحياناً محترقاً، وفي أحيان أخرى غير ناضج بما يكفي، مع رائحة تخمير واضحة. ونتيجة تكرار هذه المشكلات، تضطر أسرته إلى تجفيف بعض الأرغفة أو شراء الخبز من الباعة المنتشرين في الساحات والدوارات، رغم التكلفة الإضافية.
ولا تتوقف المعاناة عند جودة الإنتاج؛ إذ أشار الجاسم إلى توقف بعض المخابز يومين أو ثلاثة، وأحياناً مدة أطول، مع إرجاع ذلك إلى الصيانة. أما عبد الله الصالح، فقال إنه توقف منذ أشهر عن شراء الخبز من الأفران العامة، بعدما امتنع أطفاله عن تناوله بسبب رداءة جودته، واتجه إلى الأفران السياحية والباعة، رغم ارتفاع الأسعار.
وهكذا يتحول الخبز، الذي يفترض أن يكون الخيار الأقل كلفة للأسر، إلى عبء مزدوج: منتج لا يرضي المستهلك، وبديل يقتطع مزيداً من دخل الأسرة.
17 مخبزاً في خطة التحديث
أقر مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في الحسكة، محمد شوقي محمد، بأن جودة الرغيف لا تزال دون المستوى المطلوب، معلناً توقيع عقود لاستثمار 17 مخبزاً تتضمن تحديثها وتأهيلها. وتشمل المرحلة الأولى ثمانية أفران في الحسكة والقامشلي والدرباسية والمالكية وعامودا وتل براك ومركدة، مع تركيب خطوط إنتاج جديدة وتأهيل المباني وتنفيذ أعمال الترميم.
من جهته، قال مدير فرع المؤسسة السورية للمخابز، علي خليف، إن المحافظة تضم 23 مخبزاً عاماً، أربعة منها متوقفة بانتظار التحديث، فيما يعمل 19 مخبزاً. وأضاف أن 14 مخبزاً جرى استلامها بعد دمجها من “الإدارة الذاتية”، وأن الفرع يوزع يومياً نحو 580 طناً من الطحين على المخابز العامة والخاصة.
لكن حجم الإمدادات وعدد العقود لا يقدمان، بحد ذاتهما، تفسيراً كافياً لرداءة الرغيف أو تكرار توقف الأفران. فالمعيار الذي يعني المواطن ليس عدد الأطنان الموزعة ولا المخابز المدرجة في الخطط، بل جودة الخبز الذي يصل إليه وانتظام توفره.
الدمج لا يعفي الإدارة من المسؤولية
تأتي هذه المشكلات وسط إعادة دمج المؤسسات الخدمية في الهياكل الحكومية بعد الاتفاق بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” في 29 كانون الثاني 2026. ويقول مسؤولو القطاع إن الضغوط التي رافقت انتقال الإدارة وتأخر التحديث أثرت في جودة الإنتاج.
وقد تفسر التغييرات الإدارية جانباً من الصعوبات، لكنها لا تصلح مبرراً مفتوحاً لاستمرارها. فمسؤولية الجهات الحكومية لا تقتصر على استلام المرافق وتوقيع العقود، بل تشمل ضمان الرقابة على الإنتاج، وصيانة المعدات، واستقرار التشغيل، ومحاسبة المقصرين.
وتبقى خطط التحديث اختباراً لمدى قدرة الإدارة على تحويل القرارات إلى خدمة فعلية. أما أن يضطر السكان إلى تجفيف الخبز أو دفع المزيد لشراء بديل، فيما ينتظرون اكتمال العقود، فذلك يعني أن كلفة الخلل الإداري تُدفع يومياً من قوتهم، رغيفاً بعد رغيف.
اقرأ أيضاً: إغلاق فرن معردس يفاقم أزمة الخبز في ريف حماة.. 15 ألف نسمة بلا بديل منتظم