صحة القنيطرة نقص في الكوادر والأدوية.. توسّع الخدمات لا يخفي عجز المنظومة
لا تكفي زيادة عدد المراجعين والعمليات والفحوص المخبرية لإثبات تعافي القطاع الصحي في القنيطرة، ما دامت قدرة المرضى على الوصول إلى العلاج تتوقف على توافر طبيب اختصاصي أو جهاز يعمل أو سرير شاغر في العناية المشددة. ففي محافظة تتباعد تجمعاتها السكانية، تتراكم احتياجات صحية تتجاوز إمكانات المراكز والمستشفيات، من نقص الكوادر والأدوية إلى تقادم التجهيزات وصعوبة الإحالات، لتبقى الرعاية الطبية رهينة موارد محدودة واستجابة لا توازي حجم الحاجة.
وتكشف المعطيات المعلنة عن مفارقة واضحة: شبكة تضم عشرات المراكز الصحية ومستشفى يقدم آلاف الخدمات شهرياً، لكنها لا تزال عاجزة عن تغطية عدد من الاختصاصات الأساسية وتأمين بعض المستلزمات النوعية. وهي فجوة لا تعالجها الخطط المعلنة وحدها، بل تحتاج إلى تمويل كافٍ وإدارة فعالة وتوزيع مدروس للموارد، وهي عناصر لا تزال آثارها محدودة على واقع الخدمة.
مراكز صحية كثيرة.. وتغطية غير مكتملة
تشرف مديرية صحة القنيطرة على نحو 54 مركزاً صحياً موزعة بين المحافظة وتجمعات أبنائها في دمشق وريفها ودرعا، فيما يجري العمل على إعادة تأهيل أربعة مراكز، بينها الحميدية وكودنة، والبحث عن مقر مناسب لمركز السويسة. لكن إعادة تأهيل المباني لا تضمن وحدها تقديم الخدمة، خصوصاً مع استمرار الحاجة إلى أطباء وأطباء أسنان وصيادلة وممرضين، وفق مدير الصحة حمدي غباغبي.
وفي ظل هذه الاحتياجات، تبدو قدرة القطاع على الاستجابة مرتبطة بمدى نجاح الجهات المعنية في توفير الكوادر والتجهيزات بصورة فعلية، لا بعدد المراكز المسجلة في الخطط. فالمرفق الصحي الذي يفتقر إلى العاملين أو المستلزمات لا يختصر المسافة أمام المريض، بل قد يضيف محطة أخرى إلى رحلة البحث عن العلاج.
مستشفى الجولان.. ضغط متزايد واختصاصات ناقصة
يستقبل مستشفى الجولان الوطني ما لا يقل عن 200 مراجع يومياً في قسم الإسعاف، فيما سجل خلال تموز نحو 3500 زيارة مرضية، و12 ألف تحليل مخبري، و500 صورة طبقي محوري، إضافة إلى 126 عملية جراحية متوسطة وكبرى. وتوضح هذه الأرقام حجم الضغط على المستشفى، لكنها لا تعني أن جميع الاحتياجات الطبية مغطاة.
فالمستشفى يحتاج إلى اختصاصي في أمراض الكلى وأطباء أطفال مقيمين، ويعتمد قسما الأشعة والجلدية على طبيب واحد لكل منهما، إلى جانب نقص اختصاصات دقيقة مثل جراحة الأوعية والجراحة الترميمية. ويعني هذا الاعتماد المحدود أن غياب طبيب واحد قد يربك الخدمة، فيما تضيق الخيارات أمام المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية تخصصية عاجلة.
وتظهر المشكلة بصورة أكثر حدة عند إحالة الحالات إلى مستشفيات أخرى، إذ قد يتأخر قبول المرضى بسبب عدم توافر شواغر، ولا سيما في أسرّة العناية المشددة. وهكذا لا تنتهي رحلة المريض عند تشخيص حاجته إلى العلاج، بل تبدأ مرحلة أخرى من الانتظار لتأمين مكان يمكنه تلقي الرعاية فيه.
الأدوية والتجهيزات.. احتياجات مؤجلة
لا يقتصر النقص على الكوادر؛ إذ يحتاج المستشفى إلى صيانة أجهزة وإعادة تأهيل أقسام وتأمين جهاز إيكو للقلب والأوعية، فضلاً عن تحديث الحواسيب وأنظمة الأتمتة. كما تشير مديرية الصحة إلى نقص بعض الأدوية، خصوصاً التخصصية، نتيجة محدودية الاعتمادات المالية وعدم كفاية التوريدات، مع استمرار التنسيق لتأمين أدوية السرطان والأمراض المناعية.
أما سكان الرفيد، فيواجهون عبء البعد عن المستشفى، فيما لا يزال إنشاء مرفق طبي يخدم المنطقة قيد الدراسة. وبين اقتراح مستشفى جديد أو تشغيل مركز صحي على مدار الساعة، تبقى الحاجة قائمة إلى قرار قابل للتنفيذ وتمويل وكوادر تضمن استمراره، لا إلى إبقاء الحلول معلقة على الدراسات.
وتشكل سيارة الإسعاف المخصصة لمنطقة طرنجة خطوة عملية لتخفيف أعباء نقل المرضى، لكنها لا تعالج وحدها نقص الخدمات التخصصية أو صعوبة الإحالات.
الخطط لا تعوّض غياب الجاهزية
تتضمن الخطط المقبلة افتتاح قسم للقثطرة القلبية وتأمين جهاز للرنين المغناطيسي وتوسيع أقسام العناية المشددة والأطفال والنسائية والتوليد. غير أن قيمة هذه الوعود ستتحدد بقدرة الجهات الصحية على تمويلها وتشغيلها وتأمين كوادرها وصيانتها بصورة مستدامة.
وفي بلد أنهكت سنوات الأزمة مؤسساته الخدمية، لا يمكن فصل قصور القطاع الصحي عن مسؤولية الإدارة العامة في التخطيط وتحديد الأولويات وتوزيع الموارد ومراقبة الإنفاق. لكن المعطيات المتاحة لا تكفي وحدها لإثبات وجود فساد في مديرية الصحة أو مستشفى الجولان تحديداً؛ ما تكشفه بوضوح هو فجوة بين الاحتياجات المعلنة والقدرة الحالية على تلبيتها.
وفي المحصلة، لا يُقاس نجاح القطاع الصحي بعدد الأقسام التي يُعلن عن افتتاحها، بل بقدرة المريض على الوصول إلى الطبيب والدواء والفحص والعلاج في الوقت المناسب. وحتى يتحقق ذلك، ستظل الخطط المستقبلية أقل إقناعاً من واقع يومي يضع المرضى أمام نقص الاختصاصات والأدوية والتجهيزات، ويحمّلهم كلفة قصور لا يملكون أدوات إصلاحه.
اقرأ ايضاً: صحة الأمهات والأطفال في سوريا تحت ضغط الحرب.. نقص الرعاية يفاقم المخاطر