صحيفة “هآرتس”: اعتقالات ومداهمات إسرائيلية وقيود على حركة السكان والمزارعين في جنوب سوريا
كشف تحقيق نشرته صحيفة “هآرتس” العبرية عن تنفيذ القوات الإسرائيلية مداهمات واعتقالات وفرض قيود على حركة السكان والمزارعين في مناطق من جنوب سوريا، مشيراً إلى أن هذه الإجراءات أسهمت، وفق شهادات أوردها التحقيق، في تصاعد التوتر بين السكان والقوات الإسرائيلية.
واعتمد التحقيق، الذي أعدته الباحثة “إليزابيث تسوركوف”، على شهادات عشرات السكان ومعتقلين سابقين وجنود احتياط إسرائيليين ومسؤولين سوريين، إلى جانب بيانات منظمات محلية وردود جيش الاحتلال الإسرائيلي ومصلحة السجون.
القوات الإسرائيلية تنتشر في القنيطرة وغرب درعا
بحسب التحقيق، تسيطر القوات الإسرائيلية على منطقة تقدر مساحتها بنحو 600 كيلومتر مربع في جنوب سوريا، تشمل عشرات القرى والبلدات في محافظة القنيطرة وأجزاء من غرب درعا، وأقامت فيها تسع نقاط عسكرية.
وقالت “هآرتس” إن انتشار القوات في المنطقة بدأ عقب سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بينما أوضح جيش الاحتلال الإسرائيلي أن وجود قواته يهدف إلى منع جماعات مسلحة من ترسيخ مواقع لها بالقرب من الجولان.
ووفق شهادات نقلتها الصحيفة، تنفذ القوات الإسرائيلية مداهمات ليلية للمنازل، وتفتش السيارات والهواتف المحمولة، كما تقيم حواجز مفاجئة وتلتقط صوراً لوجوه المارة.
وأشار التحقيق إلى أن القوات الإسرائيلية هدمت 17 منزلاً منذ بدء انتشارها في المنطقة، نقلاً عن صحفيين محليين في القنيطرة وغرب درعا.
248 معتقلاً في جنوب سوريا منذ نهاية 2024
وأفادت منظمة “سجل” السورية، بحسب التحقيق، بأن القوات الإسرائيلية اعتقلت 248 شخصاً في جنوب سوريا بين 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 و1 أيلول/سبتمبر 2026، مشيرة إلى أن معظم المعتقلين أُطلق سراحهم بعد نحو يوم من احتجازهم.
وسلط التحقيق الضوء على حالة عائلة البشير في القنيطرة، حيث اقتحم جنود إسرائيليون منزل العائلة قرابة الساعة الثالثة فجراً مطلع عام 2026، بحثاً عن زيد البشير، الذي يعمل في مزرعة دواجن.
وبحسب “هآرتس”، لم يعثر الجنود على زيد، فاعتقلوا شقيقه علي، البالغ من العمر 16 عاماً، وأبلغوا العائلة بأن الإفراج عنه مرتبط بتسليم زيد نفسه.
وقالت العائلة للصحيفة إنها لم تحصل على معلومات عن مصير علي بعد مرور ثمانية أشهر على اعتقاله.
ونقلت الصحيفة عن صحفي من القنيطرة وصفه لعمليات الاقتحام بالقول إن الجنود “لا يطرقون الباب”، وإنما يقومون بكسره.
نقل عشرات السوريين إلى مراكز احتجاز داخل “إسرائيل”
ذكر التحقيق أن القوات الإسرائيلية نقلت أكثر من 60 سورياً إلى مراكز احتجاز داخل “إسرائيل”، بينها سدي تيمان وكيشون، إضافة إلى سجن عوفر في الضفة الغربية، استناداً إلى سجلات منظمة “سجل” والحكومة السورية.
ونقلت “هآرتس” عن محامٍ سوري يتابع ملفات معتقلين من القنيطرة قوله إن “إسرائيل” لا تزال تحتجز 39 سورياً، بينهم ثلاثة قاصرين وشخص من ذوي الإعاقة الجسدية.
كما تحدث معتقلون سابقون للصحيفة عن ظروف احتجاز وصفوها بالقاسية، وتحدثوا عن الضرب والتقييد لفترات طويلة واستخدام قنابل صوتية داخل أماكن الاحتجاز.
وقال أبو كنان السيد، من جباتا الخشب، إنه أمضى 65 يوماً في الاعتقال قبل إطلاق سراحه من دون توجيه اتهام إليه، وفق التحقيق.
كما قال معتقل سابق من القنيطرة إن المحققين سألوه عن صلات محتملة بحزب الله وتجار السلاح والمهربين، وعرضوا عليه صوراً لأشخاص من قريته.
“إسرائيل” تقول إن بعض المعتقلين مرتبطون بأنشطة مسلحة
وفي المقابل، أشار التحقيق إلى وجود حالات قال إنها ترتبط بنشاطات مناهضة لـ “إسرائيل”.
ونقلت “هآرتس” عن مسؤول سوري قوله إن بعض الأشخاص الذين تعتقلهم القوات الإسرائيلية لديهم علاقات فعلية مع حزب الله أو جهات مدعومة من إيران، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الاعتقالات تشمل مدنيين لا علاقة لهم بهذه الأنشطة.
قيود إسرائيلية على المزارعين في القنيطرة
وتناول التحقيق تأثير الانتشار الإسرائيلي على الزراعة في جنوب سوريا، مشيراً إلى منع مزارعين من الوصول إلى أراضيهم في مناطق قريبة من السياج الحدودي وفي وادي اليرموك.
ونقلت الصحيفة عن مزارع من قرية معرية قوله إن القوات الإسرائيلية تمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، مضيفاً أن الزراعة تمثل مصدر رزقهم الأساسي.
كما تحدث سكان عن استخدام مبيدات أعشاب قرب السياج الحدودي، قالوا إنها ألحقت أضراراً بأراضٍ زراعية ومراعٍ ومناحل، إضافة إلى منع السكان من الوصول إلى بعض المناطق الحرجية القريبة من المواقع العسكرية.
ونقلت الصحيفة عن جندي احتياط إسرائيلي خدم في جنوب سوريا قوله إنه شاهد إطلاق نار قال إنه لم يكن يستهدف هدفاً محدداً، وإنما كان بهدف إظهار الوجود العسكري، مضيفاً أن الجيش ينقل أحياناً ممارسات مستخدمة في جبهات أخرى إلى الساحة السورية.
ورد جيش الاحتلال الإسرائيلي على ما ورد في التحقيق بالقول إن “قواته تعمل في جنوب سوريا وفق توجيهات المستوى السياسي وتقييمات الاحتياجات الأمنية”.
وزعم أن “وجود قواته في المنطقة يهدف إلى حماية سكان الجولان وتأمين الحدود ومنع “العناصر المعادية” من ترسيخ وجودها في المنطقة”.
وأضاف أن “قواته اعتقلت خلال العام الماضي أشخاصاً اشتبهت بتورطهم في أنشطة تستهدف “إسرائيليين أو قوات الجيش”، ونقلتهم إلى “إسرائيل” للتحقيق، بينما أعادت أشخاصاً آخرين إلى سوريا بعدما خلصت إلى عدم تورطهم في أنشطة مسلحة”.
من جهتها، قالت مصلحة السجون الإسرائيلية إنها لا تعلق على تفاصيل أو أماكن احتجاز السجناء الأمنيين.
توتر متصاعد في جنوب سوريا
ويأتي ما أورده تحقيق “هآرتس” في ظل استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء من القنيطرة وغرب درعا، وما يرافقه من قيود على الحركة والوصول إلى الأراضي الزراعية وعمليات مداهمة واعتقال.
إقرأ أيضاً: الاستراتيجية الإسرائيلية في جنوب سوريا: التوغلات الميدانية وترسيخ السيطرة الشبكية
إقرأ أيضاً: جنوب سوريا تحت الضغط الإسرائيلي.. ودمشق تفاوض روسيا وتختبر حدود سيادتها