جبل الشيخ في قلب الخلاف بين “إسرائيل” وسوريا.. ماذا يريد “نتنياهو”؟
لم يكن اقتحام رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”، برفقة وزير جيشه “يسرائيل كاتس”، قمة جبل الشيخ داخل الأراضي السورية المحتلة، الأربعاء الماضي، مجرد جولة ميدانية في موقع عسكري، بل حملت رسائل سياسية وأمنية وتفاوضية، بالتزامن مع تحركات أميركية لإعادة إطلاق المفاوضات بين دمشق و”إسرائيل” بشأن الترتيبات الأمنية في جنوب سوريا.
ومن قمة جبل الشيخ، حاول “نتنياهو” تقديم الوجود العسكري الإسرائيلي في المنطقة باعتباره إنجازاً استراتيجياً، معلناً أن “إسرائيل” تملك ما وصفه بـ”السيطرة المطلقة” على المنطقة الممتدة من قمة جبل الشيخ إلى نهر اليرموك (بين سوريا والأردن وفلسطين)، وصولاً إلى البحر المتوسط.
بدوره، أكد “يسرائيل كاتس” أن القوات الإسرائيلية “لن تتحرك من هنا”، في رسالة مباشرة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي يقع قصره في دمشق على مسافة نحو 35 كيلومتراً من جبل الشيخ.
أهمية جبل الشيخ وموقعه الاستراتيجي
تأتي زيارة “نتنياهو” إلى جبل الشيخ في وقت تواجه فيه المحادثات الأمنية بين سوريا و”إسرائيل” صعوبات، وسط تحركات لإعادة إطلاق المفاوضات بين الطرفين.
وتكمن أهمية جبل الشيخ، المعروف أيضاً باسم جبل حرمون، في موقعه الجغرافي وارتفاعه الكبير، إذ يضم أربع قمم، وتصل أعلى قممه إلى ارتفاع 2814 متراً، بينما يبلغ ارتفاع القمم الأخرى 2294 و2236 و2145 متراً.
ويشرف جبل الشيخ على مساحات واسعة من سوريا ولبنان والجولان وسهل الحولة وبحيرة طبريا، كما لا تبعد قمته عن العاصمة السورية دمشق سوى نحو 35 إلى 40 كيلومتراً، الأمر الذي يمنحه أهمية عسكرية واستخباراتية كبيرة.
أهمية جبل الشيخ لـ “إسرائيل”
ويرى الباحث في مركز جسور للدراسات رشيد حوراني خلال حديثه لـ”العربي الجديد” أن تمسك “إسرائيل” بالسيطرة على قمة جبل الشيخ يرتبط برغبتها في الحفاظ على حرية التحرك داخل الأراضي السورية، حتى في حال التوصل إلى اتفاق أمني مع دمشق.
وبحسب حوراني، تسعى “إسرائيل” إلى تكريس السيطرة على قمة جبل الشيخ ضمن أي اتفاق مستقبلي، إلى جانب الحد من قدرة سوريا على تحريك قواتها أو امتلاك أسلحة استراتيجية بالقرب من المنطقة.
كما أن الارتفاع الكبير للجبل وإشرافه على مساحات واسعة يجعلان منه موقعاً مناسباً لأجهزة الرصد والاستشعار، بما يسمح بمراقبة مناطق واسعة من الأراضي السورية وصولاً إلى الحدود التركية والأردنية.
“إسرائيل” تسعى إلى تثبيت وجودها في جبل الشيخ
لا تقتصر أهمية الوجود الإسرائيلي في جبل الشيخ على الجانب الاستخباراتي، إذ تمنح السيطرة على القمة “إسرائيل” موقعاً متقدماً للإشراف على مناطق واسعة من جنوب سوريا والجولان ولبنان، فضلاً عن أهميتها في حال وقوع أي تطورات أو مواجهات عسكرية مستقبلية.
وتكشف التصريحات الإسرائيلية خلال الأشهر الماضية عن تغير واضح في طريقة توصيف الوجود العسكري في جبل الشيخ.
فبعد سيطرة القوات الإسرائيلية على مواقع في جنوب سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد، تحدثت “إسرائيل” عن عملية محدودة ومؤقتة، وربط “نتنياهو” استمرار وجود القوات بترتيبات تضمن “أمن إسرائيل”.
لكن الموقف الإسرائيلي تطور لاحقاً، بعدما أعلن “كاتس” أن القوات ستبقى في قمة جبل الشيخ إلى أجل غير محدد، وربط أي انسحاب بزوال ما تصفه “إسرائيل” بالتهديدات الأمنية.
ومع تعثر المحادثات مع دمشق، برز توصيف إسرائيلي أكثر وضوحاً للمنطقة العازلة، إذ جرى التعامل معها باعتبارها “أصلاً أمنياً” لا ترغب “إسرائيل” في التخلي عنه.
الموقف السوري من الوجود الإسرائيلي
في المقابل، تتمسك دمشق بأن أي اتفاق أمني مع “إسرائيل” يجب أن يبدأ بإعادة الوضع العسكري إلى ما كان عليه قبل الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، والعودة إلى اتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974.
ويمثل هذا الملف جوهر الخلاف بين دمشق و”تل أبيب”؛ إذ تريد سوريا استعادة الوضع السابق وانسحاب القوات الإسرائيلية من المواقع التي دخلتها، بينما تسعى “إسرائيل” إلى بدء أي مفاوضات انطلاقاً من الواقع الميداني الذي فرضته بعد سقوط الأسد، مع الحفاظ على جزء من مكاسبها العسكرية.
البعد الانتخابي لزيارة “نتنياهو” إلى جبل الشيخ
تحمل زيارة “نتنياهو” إلى جبل الشيخ أيضاً أبعاداً سياسية داخل “إسرائيل”، في ظل اقتراب الانتخابات المقبلة للكنيست المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، والضغوط السياسية التي يواجهها رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي.
ويرى المحلل السياسي السوري غازي دحمان أن زيارة “نتنياهو” تحمل بعداً انتخابياً إلى جانب أهدافها الأمنية والتفاوضية.
ويشير دحمان إلى أن ظهور “نتنياهو” من قمة جبل الشيخ محاطاً بالقيادات العسكرية، مع عرض خريطة تظهر دمشق ولبنان والجولان، يسمح له بتقديم السيطرة على الموقع للناخب الإسرائيلي باعتبارها دليلاً على تعزيز الأمن ومنع تكرار هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
في المقابل، يرى رشيد حوراني أن البعد الانتخابي لا ينفصل عن الهدف الأمني، والمتمثل في ضمان استمرار حرية التحرك العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية حتى بعد التوصل إلى اتفاق أمني.
التوسع الإسرائيلي في جنوب سوريا
ولا تأتي السيطرة على جبل الشيخ بمعزل عن التطورات الميدانية في جنوب سوريا، إذ تشهد محافظتا القنيطرة ودرعا توغلات إسرائيلية متكررة وعمليات دهم واعتقال وتفتيش، إضافة إلى إقامة حواجز مؤقتة.
كما تسعى “إسرائيل”، بحسب المعطيات الواردة، إلى توسيع نفوذها في المنطقة عبر وسائل تتجاوز الانتشار العسكري المباشر.
ويبرز في هذا السياق ما يعرف بمشروع “سرية الأبقار”، الذي يتضمن إدخال قطعان من الأبقار إلى مناطق شرقي السياج الإسرائيلي وإقامة سياجات للمواشي، الأمر الذي أدى إلى إبعاد رعاة سوريين عن أراضٍ كانوا يستخدمونها في السابق.
ويعكس ذلك اتجاهاً نحو فرض أشكال متعددة من السيطرة على الأرض، لا تقتصر على القواعد والنقاط العسكرية، وإنما تمتد إلى النشاط الزراعي واستخدام الأراضي، بما قد يؤدي تدريجياً إلى تغيير قواعد الوصول إليها.
المياه والزراعة ضمن حسابات السيطرة الإسرائيلية
تحظى قضية المياه بأهمية إضافية في جنوب سوريا، نظراً إلى وجود مصادر مائية وأراضٍ زراعية ومراعي مهمة في المناطق المحيطة بجبل الشيخ والقنيطرة وحوض اليرموك.
ومن هنا، يمكن أن تتحول السيطرة على الطرق والمناطق المحيطة بمصادر المياه إلى عنصر إضافي في تعزيز النفوذ الإسرائيلي داخل المنطقة، خصوصاً في ظل استمرار الخلاف حول مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب السوري.
السويداء وتركيا ضمن الحسابات الإسرائيلية
تمتد الحسابات الإسرائيلية في سوريا إلى ملفات أخرى، أبرزها الوضع في السويداء والعلاقة بين دمشق وأنقرة.
ولا تزال السويداء تشهد خلافات حول علاقتها بالحكومة المركزية، في وقت قدمت فيه “إسرائيل” نفسها خلال المواجهات السابقة باعتبارها حامية للدروز، ونفذت ضربات عسكرية تحت هذا العنوان.
وترى دمشق في الدور الإسرائيلي تدخلاً في الشأن السوري ومحاولة لتوسيع النفوذ داخل المحافظة.
أما تركيا، فتشكل عاملاً أمنياً متزايد الأهمية في الحسابات الإسرائيلية، في ظل مخاوف “تل أبيب” من أن يؤدي التعاون العسكري بين دمشق وأنقرة إلى إنشاء قواعد أو نشر رادارات ومنظومات دفاع جوي قد تحد من حرية الحركة الإسرائيلية في الأجواء السورية.
“إسرائيل” وتركيا.. خلاف حول مستقبل الوجود العسكري في سوريا
ويعتبر غازي دحمان أن القراءة الإسرائيلية لموقف سوريا قد تكون مبنية على تقدير مبالغ فيه لضعف الدولة السورية، مشيراً إلى امتلاك دمشق أوراقاً إقليمية مهمة، وفي مقدمتها علاقتها بتركيا التي تستطيع التأثير في المشهد السوري سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
وفي ظل هذه المعطيات، تواجه الولايات المتحدة مهمة صعبة في محاولة التوفيق بين الموقفين السوري والإسرائيلي.
فسوريا تطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية من المواقع التي دخلتها بعد سقوط الأسد، والعودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، إلى جانب وقف الغارات والتوغلات واحترام السيادة السورية.
في المقابل، تريد “إسرائيل” الحفاظ على وجودها في جبل الشيخ والمنطقة العازلة، أو تحويل هذا الوجود إلى جزء من ترتيبات أمنية مستقبلية يتم تثبيتها ضمن أي اتفاق مع دمشق.
جبل الشيخ ورقة تفاوضية في المفاوضات السورية الإسرائيلية
وتشير زيارة “نتنياهو” إلى قمة جبل الشيخ إلى أن “إسرائيل” لا تنظر إلى الموقع باعتباره مجرد نقطة عسكرية متقدمة، بل باعتباره ورقة استراتيجية وأمنية يمكن استخدامها في إعادة صياغة البيئة السياسية والعسكرية المحيطة بها.
وتسعى “إسرائيل”، من خلال تثبيت وجودها في جبل الشيخ، إلى تحويل واقع ميداني فرضته بعد سقوط نظام بشار الأسد إلى ورقة تفاوضية يمكن تثبيتها ضمن أي اتفاق أمني مستقبلي مع سوريا.
وبذلك، أصبح جبل الشيخ واحداً من أبرز نقاط الخلاف بين دمشق و”تل أبيب”، إذ ترى سوريا أن استمرار الوجود الإسرائيلي يمثل تكريساً لواقع فُرض بالقوة، بينما تعتبره “إسرائيل” مكسباً أمنياً واستراتيجياً ينبغي الحفاظ عليه خلال أي مفاوضات مقبلة.
إقرأ أيضاً: لماذا لا تريد إسرائيل الوصول إلى اتفاق أمني مع دمشق..؟
إقرأ أيضاً: بالنار والسياسة.. إسرائيل لـ تركيا: ممنوع وجودكم في سوريا