موسم الجوز في طرطوس يتراجع.. 300 طن أقل ومزارعون يواجهون كلفة قطاف متصاعدة

في ريف طرطوس، لا يبدأ موسم الجوز بسقوط الثمار على الأرض، بل بسلسلة طويلة من الحسابات التي تسبق القطاف: كم بقي من المحصول؟ كم ستكلف اليد العاملة؟ وكيف يمكن الوصول إلى الثمار المعلقة على أشجار شاهقة من دون أن يتحول الموسم إلى خسارة جديدة؟ ومع نهاية آب، تبدأ رحلة جني محصول ارتبط طويلاً بمؤونة الأسر ودخل المزارعين، لكن هذا العام يحمل إنتاجاً أقل وكلفة أعلى.

وتقدر مديرية زراعة طرطوس عدد أشجار الجوز المثمرة بنحو 111 ألف شجرة، بإنتاج متوقع يبلغ 2500 طن، مقابل 2800 طن في الموسم الماضي، أي بانخفاض يقارب 300 طن. وترجع المديرية التراجع إلى الظروف الجوية، ولا سيما عدم كفاية ساعات البرودة خلال الشتاء، إذ تحتاج أشجار الجوز إلى نحو 700 ساعة برودة على الأقل للوصول إلى إنتاج جيد.

الأرقام تبدو محدودة إذا قيست بحجم الإنتاج الزراعي، لكنها تعني للمزارع محصولاً أقل في موسم يحمل أصلاً تكاليف متزايدة، في وقت لا تقدم فيه السياسات الزراعية حلولاً واضحة للتعامل مع تأثير المناخ على الأشجار المثمرة.

الجوز البلدي في مواجهة زراعة أكثر سهولة

تتركز زراعة الجوز في مناطق عدة من المحافظة، وتأتي القدموس في مقدمة المناطق من حيث عدد الأشجار، تليها الشيخ بدر. وما يزال الجوز البلدي يحتفظ بموقعه الأساسي، رغم بدء بعض المزارعين تجربة الأصناف القزمية التي تبدو أكثر ملاءمة للواقع الاقتصادي الجديد.

ويقول المزارع أحمد حمود إنه اتجه إلى زراعة الجوز القزمي بسبب صغر حجم أشجاره وسهولة خدمتها وقطافها، فضلاً عن دخولها مرحلة الإنتاج في وقت أبكر من الأشجار البلدية في بعض الحالات.

لكن التحول ليس سريعاً؛ فالأشجار البلدية راسخة في الزراعة المحلية، كما أن كثيراً من المستهلكين يفضلون ثمارها بسبب مذاقها وخصائصها التي ارتبطت لسنوات بالمؤونة المنزلية.

موسم القطاف يرفع فاتورة المزارع

المشكلة الأكثر مباشرة تبدأ عند القطاف. فارتفاع أشجار الجوز يجعل الوصول إلى الثمار عملاً شاقاً ومحفوفاً بالمخاطر، ويضطر المزارعون إلى استخدام السلالم والعصي أو تسلق الأشجار، ثم جمع الثمار المتساقطة من الأرض.

ويصف المزارع مراد علي هذه المرحلة بأنها من أصعب مراحل الموسم، في ظل الحاجة إلى الحذر والوقت والعمالة. ومع ارتفاع أسعار الجوز، بات بعض العمال يفضلون الحصول على حصة من المحصول بدلاً من الأجر النقدي، ما يزيد العبء على صاحب الأرض الذي يدفع لاحقاً تكاليف النقل والتجفيف والتكسير والفرز.

وتساعد كسارات الجوز الآلية في تخفيف جزء من العمل، لكنها لا تلغي المشكلة الأساسية: محصول يحتاج إلى عمالة ومصاريف متعددة قبل أن يتحول إلى دخل فعلي.

المناخ يقتطع من الإنتاج

إلى جانب نقص ساعات البرودة، يشير المزارعون إلى تأثير قلة الأمطار في حجم الثمار، خصوصاً في الأشجار البعلية، فضلاً عن ظهور إصابات فطرية وحشرية في بعض المناطق.

وهنا تظهر فجوة في التعامل الرسمي مع الزراعة: فالتغير المناخي لم يعد احتمالاً مستقبلياً، بل عاملاً يغيّر الإنتاج من موسم إلى آخر، ومع ذلك يبقى دعم المزارع محصوراً غالباً في الإرشاد والخدمات التقليدية، من دون منظومة متكاملة تساعده على التكيف مع الظروف الجديدة.

فالمطلوب لا يقتصر على إدخال أصناف حديثة، بل يحتاج إلى دراسات تحدد الأصناف الأكثر ملاءمة لكل منطقة، وتحسين إدارة المياه، وتطوير وسائل القطاف، وتوسيع خدمات المكافحة والإرشاد، إلى جانب إيجاد قنوات تسويق تحفظ للمزارع قيمة محصوله.

وبين شجرة بلدية تحتاج سنوات طويلة لتثمر، وصنف قزمي يَعِد بقطاف أسهل، يجد مزارع طرطوس نفسه أمام خيار لا يتعلق بالزراعة وحدها، بل بقدرته على الاستمرار. ومع تراجع الإنتاج من 2800 إلى 2500 طن، وارتفاع كلفة الوصول إلى كل ثمرة، تبدو المشكلة أكبر من موسم ضعيف: إنها اختبار لقدرة القطاع الزراعي على التكيف، في وقت لا تزال فيه الاستجابة الحكومية أبطأ من التغير الذي يفرضه المناخ والسوق على الأرض.

 

اقرأ أيضاً: الفستق الحلبي السوري يتوسع.. الإنتاج يكبر والمزارع يخسر معركة التصدير

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.