سنجار بلا مشفى.. عشرات القرى تدفع كلفة غياب الرعاية الصحية

لا تبدو الرعاية الصحية في ناحية سنجار وريفها بريف إدلب جزءاً مستقراً من الحياة اليومية للسكان، بل رحلة شاقة تبدأ من البحث عن طبيب أو فحص أساسي، وتنتهي أحياناً بقطع عشرات الكيلومترات للوصول إلى منشأة قادرة على استقبال المريض. وبينما عاد قسم من الأهالي إلى المنطقة بعد سنوات من النزوح، لم تواكب الخدمات الصحية هذا الاستقرار، لتبقى المنطقة بلا مركز طبي متكامل، وسط إمكانات محدودة لا تتناسب مع احتياجات سكانها والقرى المحيطة بها.

وتزداد الفجوة وضوحاً في الحالات الإسعافية ومرضى الأمراض المزمنة، حيث تصبح المسافة عاملاً إضافياً في تحديد مصير المريض، فيما تتحمل الأسر تكاليف النقل والعلاج في ظل ظروف اقتصادية لا تسمح بكثير من الخيارات.

نقطة صحية لا تكفي لمنطقة واسعة

تقول منتهى الحسين، الموجهة في ثانوية سنجار للبنات، إن الواقع الطبي في البلدة “سيئ للغاية”، موضحة أن الخدمات الحالية تقتصر على مركز صحي ضمن كرفانات، بإمكانات محدودة واختصاصات لا تغطي الاحتياجات الأساسية.

وبحسب الحسين، فإن غياب مركز صحي مجاني ومتكامل يفرض على الأهالي مراجعة منشآت طبية في إدلب ومعرة النعمان، فيما يؤدي نقص الأطباء المختصين والفحوصات المخبرية والإمكانات التشخيصية إلى تأخير اكتشاف بعض الحالات وتفاقمها.

ولا تقف المشكلة عند المرضى الذين يستطيعون الانتظار، إذ تشير الحسين إلى خطورة الوضع في حالات الإصابات التي قد تستدعي البتر، ولدغات الأفاعي والذبحة الصدرية، وهي حالات تحتاج إلى تدخل سريع لا تسمح به المسافات الطويلة وضعف التجهيزات المحلية.

أما مرضى الأمراض المزمنة، فيضطر كثير منهم إلى تكرار الرحلة نفسها للحصول على العلاج والمتابعة، ما يحول المرض إلى عبء صحي ومالي مستمر على الأسرة.

نحو 100 قرية ومزرعة خارج التغطية الكافية

ويشير سليمان السليمان، مدرس الفيزياء والكيمياء في ثانوية سنجار، إلى أن المستوصف السابق في الناحية دُمّر بالكامل، بينما لم تتمكن النقطة الطبية التي أُنشئت لاحقاً ضمن مبانٍ مسبقة الصنع من سد الفراغ، بسبب دوامها الجزئي ومحدودية إمكاناتها.

ويقول السليمان إن الوصول إلى إدلب قد يتطلب قطع نحو 75 كيلومتراً، مؤكداً أنه شارك شخصياً في إسعاف مرضى خلال هذه الرحلات، وأن طول المسافة قد يحول النقل نفسه إلى خطر على حياة المصاب.

وتكتسب المشكلة بعداً أوسع من حدود سنجار، إذ ترتبط بالناحية نحو 100 قرية ومزرعة تعتمد عليها في جانب من خدماتها. ومع ذلك، لا تزال الاستجابة الصحية محصورة في نقطة محدودة، من دون بنية إسعافية دائمة أو سيارة إسعاف مجهزة، ما يعكس فجوة واضحة بين حجم المنطقة وما تقدمه الجهات المعنية من خدمات.

الحكومة الانتقالية أمام فجوة تتجاوز نقص التجهيز

يطالب الأهالي بإنشاء مركز صحي دائم ومتكامل يضم الرعاية الأولية والطبابة العامة والأمومة والطفولة والإسعاف والطوارئ، إلى جانب الأدوية والفحوصات الأساسية والكوادر المختصة.

لكن استمرار الاعتماد على منشأة مؤقتة في منطقة عاد إليها السكان، فيما تبقى أقرب الخدمات المتقدمة على بعد عشرات الكيلومترات، يجعل المشكلة أبعد من نقص سرير أو طبيب. إنها نتيجة غياب تصور صحي قادر على مواكبة المناطق التي تعاني من آثار النزوح والدمار وتبدل الاحتياجات السكانية.

وتبدو الحكومة الانتقالية مطالبة بتحويل الملف من دائرة الوعود والمطالب المحلية إلى خطة واضحة تبدأ بتأمين الإسعاف والنقل الطبي، ولا تنتهي قبل إنشاء منشأة صحية قادرة على خدمة سنجار وريفها. فترك المرضى يقطعون الطرق بحثاً عن علاج أساسي لا يمثل فقط نقصاً في الخدمة، بل يكشف مقدار المسافة التي ما تزال تفصل المناطق الطرفية عن أبسط مقومات التعافي.

 

اقرأ أيضاً: مستشفيات إدلب المدمّرة.. عودة السكان تسبق عودة القطاع الصحي

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.