معرض دمشق الدولي يعلن مخرجات تتجاوز مليار دولار.. لكن التنفيذ هو الاختبار الحقيقي
أعلنت المؤسسة السورية للمعارض أن قيمة «المخرجات الاقتصادية» للدورة الثالثة والستين من معرض دمشق الدولي تجاوزت 150 مليار ليرة جديدة، بما يعادل نحو 1.23 مليار دولار وفق سعر الصرف الرسمي، في رقم كبير أعاد المعرض إلى واجهة المشهد الاقتصادي السوري، لكنه لا يعني بالضرورة دخول هذا المبلغ إلى البلاد أو تحوله بالكامل إلى استثمارات منفذة.
فالرقم المعلن يضم عقوداً ومذكرات تفاهم وطلبات وتفاهمات، وهي صيغ تختلف في آثارها القانونية والمالية وفي درجة التزام أطرافها بالتنفيذ. وبين الإعلان عن اتفاق وبين ضخ الأموال وبدء المشروع مراحل يمكن أن تحدد في النهاية حجم العائد الاقتصادي الفعلي.
وشهدت الدورة مشاركة وفود وشركات غابت عن دمشق لسنوات، ما أعاد المعرض إلى خريطة اللقاءات التجارية. لكن قياس نجاح الحدث اقتصادياً يتطلب النظر إلى ما سيحدث بعد إغلاق أبوابه: عدد المشاريع التي ستحصل على التمويل وتدخل مرحلة التنفيذ، وحجم فرص العمل التي ستوفرها، والتكاليف التي تحملتها الدولة لتنظيم المعرض.
ماذا يتضمن رقم الـ1.23 مليار دولار؟
بحسب المؤسسة السورية للمعارض، تجاوزت قيمة ما شهدته الدورة 150 مليار ليرة جديدة، أي قرابة 1.23 مليار دولار وفق سعر الصرف الرسمي. إلا أن التفاصيل المتعلقة بتكوين هذا الرقم لم تُنشر بصورة تفصيلية.
ولا تتوافر، وفق المعطيات الواردة، أرقام منفصلة توضح قيمة العقود الملزمة، أو حجم طلبات التوريد، أو القيمة المالية للتفاهمات ومذكرات التفاهم. وهذه الفوارق مهمة عند تقييم الأثر الاقتصادي، إذ قد تمثل مذكرة التفاهم الخطوة الأولى في مشروع قابل للتنفيذ، لكنها قد تظل أيضاً في حدود الاتفاق الأولي من دون أن تتحول إلى استثمار فعلي.
وبالتالي، فإن جمع مختلف هذه الصيغ تحت مسمى «المخرجات» يعطي صورة عن حجم النشاط التفاوضي والتجاري الذي شهده المعرض، لكنه لا يكفي وحده لقياس الأموال التي دخلت الاقتصاد السوري.
وينطبق الأمر ذاته على إعلان ارتفاع النتائج بأكثر من عشرة أضعاف مقارنة بدورة عام 2025. فالمقارنة تستند إلى الرقمين اللذين أعلنتهما الجهة المنظمة، لكن قياس النمو يصبح أكثر تعقيداً مع تغير العملة واتساع نطاق ما يدخل ضمن تعريف «المخرجات»، فضلاً عن عدم نشر بيانات توضح ما نُفذ فعلياً من اتفاقات الدورة السابقة.
تراجع الزوار رغم اتساع المشاركة
بلغ عدد زوار الدورة الحالية 1.4 مليون شخص، مقارنة بـ2.261 مليون في الدورة السابقة، بانخفاض يقارب 38%.
ويفسر تخصيص ثلاثة أيام للأعمال جزءاً من هذا التراجع، إلا أن انخفاض عدد الزوار لا يعني تلقائياً انخفاض النشاط التجاري، كما أن العدد الإجمالي للزوار لا يمكن اعتباره مؤشراً مباشراً على عدد المستثمرين أو حجم الاستثمارات.
الأهم في هذا السياق هو معرفة طبيعة الوفود والجهات المشاركة والنتائج التي تحققت من اللقاءات التجارية التي عقدت خلال أيام المعرض.
نحو ألف جهة من 60 دولة
تداولت وسائل إعلام وصف المشاركة بأنها ضمت «ألف شركة من 60 دولة»، إلا أن الرقم الأدق، بحسب المعطيات المتاحة، يشير إلى نحو ألف جهة، تشمل وزارات ومؤسسات عامة وغرف تجارة ومجالس أعمال وجهات خدمية وحرفية، إضافة إلى مشاركة 25 دولة ضمن تمثيل جماعي لغرفة وسط أوروبا.
ولا يقلل هذا التصحيح من حجم الحضور، لكنه يغير دلالته الاقتصادية؛ فعدد الجهات المشاركة لا يعادل عدد الشركات الخاصة التي دخلت المعرض بهدف الاستثمار المباشر.
ومن الأمثلة على ذلك المشاركة الألمانية الرسمية، التي ضمت 13 عارضاً، وتركزت على التعرف إلى السوق السورية وتطوير الاتصالات، من دون إعلان استثمار ألماني محدد خلال الدورة.
أما العلاقات التجارية السورية التركية، فهي أوسع من أن تُربط بالمعرض وحده. فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين سوريا وتركيا 3.7 مليارات دولار خلال عام 2025، فيما يمكن للمعرض أن يسهم في توسيع هذا المسار التجاري، لكنه لم يكن نقطة انطلاقه.
حسياء في صدارة المشروعات المعلنة
تضم قائمة المشروعات المطروحة حزمة استثمارية في حسياء تقدر بنحو 500 مليون دولار، وتشكل حوالي 41% من الحد الأدنى للقيمة الإجمالية المعلنة للمخرجات.
وتشمل الحزمة قطاعات الحديد والسيراميك والإسفلت ومواد البناء، وهي أنشطة ترتبط باحتياجات مرحلة الإعمار. إلا أن الإعلان لم يوضح مصدر التمويل، أو نسب مساهمة الشركاء، أو الجدول الزمني المتوقع لضخ الأموال وبدء التنفيذ.
وفي باب الهوى، طُرح الحديث عن ألفي فرصة استثمارية. ويقصد بذلك فرصاً أو مقاسم يمكن تجهيزها للاستثمار، وليس ألفي مصنع قائم أو ألفي مستثمر ملتزم بتنفيذ مشروعات.
كما شملت المخرجات المعلنة تأهيل معمل حديد حماة، وتفاهمات في المجال الزراعي مع السعودية، واتفاقات بين غرف التجارة العراقية، إلى جانب مشروعات في الرقة والشيخ نجار.
لكن القيم المالية والشروط التفصيلية لهذه المشروعات لم تُكشف بصورة كاملة، ما يجعل تقييمها في الوقت الراهن سابقاً لأوانه. فالأهمية الاقتصادية لأي اتفاق لا تتحدد عند توقيعه فقط، وإنما بقدرته على الانتقال إلى مرحلة التمويل ثم التنفيذ.
تكلفة المعرض والعائد المحلي
في الجانب الآخر من الحساب الاقتصادي، لا تتوافر موازنة منشورة توضح حجم الإنفاق على تنظيم الدورة الثالثة والستين، أو الإيرادات التي حصلت عليها الجهة المنظمة من رسوم المشاركة والرعاية.
كما لا توجد، وفق المعلومات الواردة، تقديرات مستقلة لحجم الإنفاق الذي ولّده وجود الزوار والعارضين في الأسواق المحلية خلال فترة المعرض.
وتؤثر هذه البيانات في تقييم الجدوى الاقتصادية للحدث، إذ لا يكفي معرفة قيمة الاتفاقات المعلنة من دون معرفة كلفة الوصول إليها والعائد المباشر وغير المباشر الذي حققه النشاط التجاري المصاحب.
وتحمل بعض الاستثمارات المعلنة آثاراً متباينة على السوق. فزيادة إنتاج مواد البناء يمكن أن تقلل الحاجة إلى الاستيراد، لكنها قد تضع المنتجين الصغار أمام منافسة أكبر إذا ظلت فرص الحصول على التمويل والطاقة متاحة بصورة أكبر للمشروعات الكبيرة.
الاختبار يبدأ بعد انتهاء الدورة
توزعت المشروعات المعلنة بين دمشق وحسياء وحماة والشيخ نجار وباب الهوى والرقة، وهو توزيع يربط العاصمة بالمناطق الصناعية والمواقع الحدودية والمحافظات الشرقية.
لكن نجاح هذه الخريطة الاستثمارية سيبقى مرتبطاً بعوامل عملية، أبرزها وصول التمويل وتوافر الكهرباء والآلات ووجود إطار قانوني يوفر الحماية اللازمة للمشروعات.
ومن هذه الزاوية، لا يرتبط تقييم الدورة الثالثة والستين بنجاحها أو فشلها في جذب الوفود والشركات فقط، بل بدرجة الشفافية التي سترافق الأرقام المعلنة، وبالقدرة على متابعة الاتفاقات بعد انتهاء المعرض.
حتى الآن، تشير المعطيات إلى أن المعرض وسّع دائرة الاتصالات التجارية وطرح فرصاً قابلة للتفاوض، بينما لا يمكن اعتبار رقم المليار دولار عائداً اقتصادياً تحقق بالفعل.
وسيصبح الحكم أكثر وضوحاً عندما تكشف المؤسسة السورية للمعارض تفاصيل العقود ونفقات الدورة، وعندما تتضح خلال الأشهر المقبلة نتائج الاتفاقات الموقعة. وفي النهاية، ستكون المشروعات التي تحصل على التمويل وتدخل حيز التنفيذ هي المعيار الأهم لتحديد القيمة الاقتصادية الفعلية لمعرض دمشق الدولي.
إقرأ أيضاً: 4 مذكرات تفاهم سورية سعودية في معرض دمشق الدولي