توحيد المناهج في سوريا.. وزارة التربية تجمع الكتب وتترك فجوات السنوات السابقة

بدأ العام الدراسي 2026–2027 في سوريا بأكثر من 5.2 ملايين طالب وطالبة، حاملاً معه قراراً طال انتظاره بتوحيد المناهج التعليمية في مختلف المحافظات، بعد سنوات انقسمت خلالها الخريطة التربوية بين مناهج متعددة، تركت فروقاً في المحتوى والتسلسل المعرفي ومستوى التحصيل بين الطلاب.
وتقدم الحكومة الانتقالية توحيد المنهاج باعتباره خطوة نحو مرجعية تعليمية واحدة وتكافؤ الفرص، إلا أن توحيد الكتب لا يعني تلقائياً توحيد مستوى التعليم. فالفجوة التي صنعتها السنوات السابقة لا تختفي بقرار وزاري، فيما تدخل المدارس العام الدراسي وسط نقص في التجهيزات والكوادر واكتظاظ الصفوف، ما يجعل نجاح التجربة مرتبطاً بما تستطيع وزارة التربية والتعليم فعله خارج حدود القرارات الورقية.
منهاج واحد.. وفجوات لم تختفِ
اعتمدت وزارة التربية والتعليم منهاج العام الدراسي 2025–2026 في جميع المحافظات خلال العام الحالي، بالتوازي مع العمل على إعداد مناهج جديدة بعد إنجاز المعايير الوطنية الخاصة بها.
وقال مدير المناهج في الوزارة عصمت رمضان إن توحيد المناهج يهدف إلى توحيد المحتوى والمرجعية التعليمية وتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص، إلى جانب تعزيز الوحدة الوطنية وبناء هوية مجتمعية مشتركة.
لكن هذه الأهداف تصطدم بإرث تعليمي لا يمكن توحيده بالسرعة نفسها. فالطلاب الذين تلقوا تعليمهم خلال السنوات الماضية وفق مناهج مختلفة لا يبدأون من النقطة ذاتها، وهو ما قد يجعل المنهاج الموحد أكثر صعوبة بالنسبة إلى بعضهم.
ويظهر ذلك بوضوح لدى طلاب المحافظات الشرقية الذين درس بعضهم وفق مناهج “الإدارة الذاتية”. ورغم السماح لهم بالتقدم إلى امتحانات الشهادات العامة خلال العامين الدراسيين 2025–2026 و2026–2027 بموجب القرار 1617، تبقى المشكلة الأوسع قائمة: كيف تعالج الوزارة الفوارق المعرفية التي تراكمت قبل توحيد المناهج؟
المعلم والتجهيزات.. الحلقة الأضعف
ترى مدرسة اللغة العربية غصون كردية أن توحيد المناهج خطوة ضرورية لضمان توحيد الامتحانات وتقليص الفروقات التعليمية بين المحافظات، لكنها تشدد على أن نجاحها يحتاج إلى مستلزمات فعلية، من الكتب والوسائل التعليمية إلى المخابر والتجهيزات التقنية.
وهنا تظهر إحدى أكثر مشكلات التعليم السوري وضوحاً: المناهج قد تتوحد على الورق، بينما تبقى القدرة على تقديمها مختلفة من مدرسة إلى أخرى.
ويشير مدرس اللغة العربية أحمد عمامي إلى تحديات تتعلق بنقص الكفاءات التعليمية، وصغر أعمار بعض الطلاب، واكتظاظ الصفوف، مع الحاجة إلى الانتقال من أساليب الحفظ إلى التعلم النشط والمتمركز حول الطالب.
وبذلك لا تواجه الوزارة مهمة تطبيق منهاج جديد فحسب، بل مطالبة بإعادة تأهيل البيئة التي سيُدرّس فيها هذا المنهاج، وهي مهمة تبدو أكبر من مجرد إصدار التعليمات وتوزيع الكتب.
اختبار التجربة سيكون في النتائج
المشكلة الأكثر حساسية تتعلق بالتسلسل المنهجي. فالطالب الذي درس محتوى مختلفاً في الصفوف السابقة قد يصل إلى مرحلة دراسية يفترض فيها امتلاك معارف لم يتلقها بالطريقة ذاتها، ما يخلق فجوة لا يمكن للمعلم تجاوزها بمجرد الالتزام بالكتاب الجديد.
ويرى عمامي أن قياس نجاح التجربة يجب أن يبدأ باختبارات تحديد مستوى في بداية العام، وصولاً إلى نتائج امتحانات التعليم الأساسي والثانوية العامة، باعتبارها مؤشرات فعلية على أثر توحيد المناهج.
وهذا ما يجعل العام الدراسي الحالي أشبه باختبار واسع لسياسة تربوية بدأت من الأعلى قبل أن تُحسم جميع مشكلاتها في الميدان. فالحكومة الانتقالية نجحت في إعلان مرجعية تعليمية موحدة، لكنها لم تقدم بعد ما يكفي لضمان أن يكون الطلاب قادرين على الوصول إليها من نقطة معرفية متقاربة.
وفي بلد خرج من سنوات طويلة من الانقسام التعليمي، لا يكفي أن تتشابه الكتب على مقاعد الدراسة؛ المطلوب أن تتقارب فرص التعلم نفسها. وإلا فإن توحيد المناهج قد ينتهي إلى توحيد العنوان فقط، بينما تبقى الفجوات القديمة حاضرة في الصفوف والنتائج ومستقبل الطلاب.

 

اقرأ أيضاً: اللغة الكردية تدخل المدارس السورية.. قرار رسمي يصطدم باختبار المناهج والكوادر والجاهزية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.