التضخم في سوريا بين الحرب الإقليمية وقرارات الداخل.. ماذا تكشف أرقام 2026؟

تكشف بيانات مؤشر أسعار المستهلك في سوريا خلال أيار وحزيران وتموز 2026 أن حركة الأسعار لم تكن مرتبطة بالعوامل الخارجية وحدها، رغم تأثير الحرب الإقليمية في تكاليف الوقود والغذاء والواردات. وتظهر نشرات المركز السوري لبحوث السياسات أن قرارات التسعير المحلية، وتكاليف النقل والطاقة، وسعر الصرف، والعوامل الموسمية، لعبت أدواراً متباينة في تحديد اتجاه التضخم من شهر إلى آخر.

وبينما شهد أيار/مايو قفزة واضحة في الأسعار، تباطأ التضخم الشهري خلال حزيران/يونيو قبل أن يتحول المؤشر إلى الانخفاض في تموز/يوليو. ويشير هذا التباين إلى أن الصدمات الخارجية لا تنتقل إلى السوق السورية بصورة مباشرة، وإنما تتأثر بقنوات محلية تحدد حجم انعكاسها على المستهلكين.

أيار.. المحروقات والنقل يدفعان الأسعار إلى الأعلى

بدأت الفترة محل المقارنة بارتفاع ملحوظ في مؤشر أسعار المستهلك، إذ صعد من 945.1 نقطة في نيسان/أبريل إلى 1002 نقطة في أيار/مايو، بزيادة شهرية تقارب 6 بالمئة.

ويربط المركز السوري لبحوث السياسات جانباً مهماً من هذه الزيادة بإعادة تسعير المحروقات في السابع من أيار، وما ترتب عليها من ارتفاع تكاليف تشغيل وسائل النقل ونقل السلع.

وسجلت مجموعة النقل وحدها ارتفاعاً بنسبة 17.6 بالمئة خلال شهر واحد، فيما انعكست التغييرات التي طرأت على ربطة الخبز أيضاً على كلفتها الفعلية. فقد خُفّض وزن الربطة من 1.2 كيلوغرام إلى 1.05 كيلوغرام، مع الإبقاء على سعرها عند 4 آلاف ليرة، ما رفع سعر الكيلوغرام فعلياً بنحو 14.3 بالمئة.

ولم تقتصر الزيادة على النقل والخبز، إذ سجلت مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود أعلى ارتفاع سنوي بين المجموعات الرئيسية، بنسبة 58.5 بالمئة.

وجاء ذلك مدفوعاً بارتفاع الإيجارات بنسبة 65.7 بالمئة، إلى جانب زيادة أسعار الكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى بنسبة 48.9 بالمئة.

وتوضح هذه الأرقام أن جزءاً أساسياً من الضغوط التي تعرضت لها الأسر خلال أيار ارتبط بتكاليف ضرورية تتأثر مباشرة بأسعار الطاقة والنقل وقرارات التسعير، قبل أن تمتد آثارها إلى قطاعات وسلع أخرى.

حزيران.. تباطؤ التضخم رغم استمرار الضغوط

في حزيران، تغير اتجاه المؤشر من التسارع الحاد إلى ارتفاع محدود، إذ زاد مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 0.8 بالمئة على أساس شهري، رغم استمرار الضغوط المرتبطة بالسكن والطاقة والنقل والتعليم.

ويعزو المركز السوري لبحوث السياسات هذا التباطؤ إلى توازن مؤقت بين ارتفاع تكاليف بعض المجموعات الاستهلاكية وبين الانخفاض الموسمي في أسعار الغذاء، وخصوصاً الخضروات.

وتراجعت أسعار الخضروات بنسبة 19.5 بالمئة مع زيادة المعروض المحلي خلال موسم الإنتاج، وهو ما ساهم في الحد من الارتفاع العام للأسعار خلال الشهر.

لكن المركز يحذر من اعتبار هذا التراجع مؤشراً على استقرار مستدام في تكاليف المعيشة، نظراً إلى استمرار الضغوط في قطاعات أساسية أخرى.

الحسكة تسجل صدمة سعرية مختلفة

وفي الحسكة، اتخذت حركة الأسعار مساراً أكثر حدة، إذ بلغ التضخم الشهري 24.8 بالمئة، في واحدة من أبرز الصدمات السعرية المحلية خلال الفترة.

ويربط المركز السوري لبحوث السياسات هذه القفزة بصورة أساسية بالارتفاع الكبير في تعرفة الكهرباء وأسعار بعض مصادر الطاقة، بالتزامن مع تقارب أنظمة التسعير المحلية مع الأسعار المعتمدة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية.

وانعكست صدمة الطاقة على قطاعات أخرى، بينها النقل والمياه والإيجارات والخدمات، في حين ساهم ارتفاع أسعار المازوت الحر واضطراب توفر الوقود في زيادة التكاليف التي تحملها المنتجون والمستهلكون.

تموز.. انخفاض الأسعار رغم استمرار تأثير الحرب

في تموز، جاءت حركة الأسعار في اتجاه مختلف، إذ انخفض مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 1.9 بالمئة على أساس شهري، متراجعاً من 1010 نقاط في حزيران إلى 991 نقطة.

وسجلت خمس مجموعات استهلاكية انخفاضاً في الأسعار، بينها النقل، والسكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود، والغذاء والمشروبات غير الكحولية.

وتزامن ذلك مع تحسن سعر الصرف في السوق الموازية، إذ انخفض متوسط سعر الدولار من نحو 14,001 ليرة في حزيران إلى 13,215 ليرة في تموز، وهو ما انعكس على بعض أسعار النقل والطاقة.

ويأتي هذا الانخفاض في وقت كانت فيه تداعيات الحرب الإقليمية واضطرابات التجارة والطاقة لا تزال قائمة، ما يعقّد تفسير حركة الأسعار بالاستناد إلى العوامل الخارجية وحدها.

صندوق النقد: عوامل خارجية ومحلية وراء التضخم

ولا يعني انخفاض الأسعار في تموز أن الاقتصاد السوري كان بمنأى عن تأثير الحرب الإقليمية.

فبعد بعثته إلى دمشق في تموز، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن التضخم ارتفع خلال عام 2026 نتيجة مجموعة من العوامل، بينها ارتفاع أسعار الواردات، وخصوصاً الوقود والغذاء، بسبب الصراع الإقليمي.

كما ربط الصندوق الضغوط التضخمية بعوامل داخلية، تشمل قوة الطلب المحلي، وزيادات أجور القطاع العام، وارتفاع أسعار المرافق والسكن.

وأشار الصندوق إلى أن استمرار الضغوط على الأسعار يرتبط جزئياً بتطور أسعار الواردات وبالسياسات المالية والنقدية.

وتتقاطع هذه الخلاصة مع بيانات المركز السوري لبحوث السياسات، التي تظهر أن تأثير الصدمات الخارجية يمر عبر مجموعة من القنوات الداخلية، أبرزها سعر الصرف وأسعار المحروقات وتكاليف النقل وتوافر السلع وآليات التسعير.

وبذلك، لا تعمل الحرب الإقليمية كعامل منفصل عن الاقتصاد المحلي، بل تنتقل آثارها إلى المستهلك السوري وفق قدرة السوق على امتصاص الصدمة أو تمريرها إلى الأسعار.

سعر الصرف والموسمية يغيران اتجاه المؤشر

برز تأثير سعر الصرف بصورة خاصة خلال تموز، عندما تزامن تحسن قيمة الليرة في السوق الموازية مع انخفاض بعض الأسعار الرسمية للمنتجات النفطية، إلى جانب العوامل الموسمية.

وساعدت هذه العناصر مجتمعة على دفع مؤشر الأسعار نحو الانخفاض، رغم استمرار مشكلات نقص الإمدادات وارتفاع بعض الأسعار في السوق الموازية.

لكن تراجع التضخم لا يعني بالضرورة تحسناً مماثلاً في القدرة الشرائية للأسر السورية.

فبحسب بيانات المركز السوري لبحوث السياسات، انخفض التضخم السنوي من 39.9 بالمئة في أيار إلى 40.5 بالمئة في حزيران ثم إلى 24.8 بالمئة في تموز. وفي الوقت نفسه، ظل مستوى الأسعار في تموز أعلى بنسبة 24.8 بالمئة مقارنة بتموز 2025.

كما بقي المؤشر العام قريباً من عشرة أمثال مستواه في سنة الأساس 2021.

وهذا يعني أن تباطؤ التضخم يشير إلى انخفاض سرعة ارتفاع الأسعار، وليس إلى عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة أو استعادة الأسر لقوتها الشرائية التي فقدتها خلال سنوات ارتفاع الأسعار.

الحرب ليست التفسير الوحيد

وتشير حركة الأسعار خلال الأشهر الثلاثة إلى اقتصاد تتداخل فيه المؤثرات الخارجية مع عوامل داخلية متعددة.

ففي أيار، أدت إعادة تسعير المحروقات وتكاليف النقل وتغيير وزن ربطة الخبز إلى دفع الأسعار صعوداً. وفي حزيران، ساهم انخفاض أسعار الخضروات موسمياً في الحد من ارتفاع المؤشر، بينما سجلت الحسكة صدمة مختلفة ارتبطت بالطاقة والوقود.

أما في تموز، فقد ساهم تحسن سعر الصرف والعوامل الموسمية وبعض التغيرات في أسعار الطاقة والنقل في دفع المؤشر إلى الانخفاض، رغم استمرار البيئة الإقليمية المضطربة.

وعليه، فإن اعتبار الحرب الإقليمية السبب الوحيد للتضخم في سوريا لا يفسر التباين الكبير بين حركة الأسعار من شهر إلى آخر وبين منطقة وأخرى.

السياسة الاقتصادية أمام اختبار التضخم

تكتسب السياسات المحلية أهمية أكبر مع استمرار تأثير العوامل الخارجية، خصوصاً أن صندوق النقد الدولي دعا السلطات السورية إلى مواصلة تحسين السياسة المالية والنقدية، وإصلاح القطاع المصرفي، وتطوير الإحصاءات الاقتصادية، بما فيها بيانات الأسعار.

وأشار الصندوق إلى أن فجوات توافر البيانات وجودتها لا تزال تحد من إمكانية إجراء تقييم أكثر تفصيلاً للتطورات الاقتصادية في سوريا.

وفي هذا السياق، تبدو إدارة أسعار المحروقات والخبز، والحد من انتقال تكاليف الطاقة والنقل إلى أسعار السلع، وتحسين توافر الإمدادات، وتقليص الفجوات بين أسعار الصرف، عوامل محلية يمكن أن تؤثر في حجم الصدمة التي تصل إلى المستهلك.

وبالتالي، تكشف أرقام التضخم السوري خلال أيار وحزيران وتموز 2026 أن الحرب الإقليمية تمثل عاملاً مؤثراً في الأسعار، خصوصاً عبر الواردات والطاقة، لكنها لا تفسر وحدها حركة السوق.

فالنتيجة النهائية التي تصل إلى المستهلك تتشكل عند نقطة التقاء الصدمات الخارجية مع قرارات التسعير المحلية، وسعر الصرف، وتكاليف النقل والطاقة، وتوافر السلع، والعوامل الموسمية، ما يجعل إدارة الاقتصاد الداخلي عاملاً حاسماً في تحديد حجم الضغوط التضخمية التي تتحملها الأسر السورية.

اقرأ أيضاً:بعد انتهاء مهلة استبدال الليرة.. هل تدخل سوريا اختبار السيولة والثقة بالعملة؟

اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.