حلّ «قسد» يعيد ترتيب المشهد السوري ويضع الحرس الوطني في السويداء أمام خيارات أصعب
أعلنت قوات سوريا الديمقراطية «قسد» في 25 آب/أغسطس 2026 حلّها كقوة عسكرية مستقلة، بعد أشهر من المفاوضات مع الحكومة السورية وخطوات عملية باتجاه دمج عناصرها في المؤسستين الأمنية والعسكرية للدولة. ويأتي القرار استكمالاً لمسار بدأ باتفاق 10 آذار/مارس 2025، ثم دخل مرحلة تنفيذية بعد اتفاق 29 كانون الثاني/يناير 2026.
ويعيد هذا التطور رسم المشهد السياسي والعسكري في البلاد، ولا سيما في محافظة السويداء، حيث لا تزال قوات الحرس الوطني خارج السيطرة المباشرة للحكومة. كما يطرح القرار أسئلة بشأن مستقبل الدعم الخارجي للقوى المحلية المسلحة، ودور الولايات المتحدة و”إسرائيل” في المرحلة المقبلة.
من الإدارة الذاتية إلى الاندماج في مؤسسات الدولة
خلال الأشهر الأولى التي أعقبت سقوط نظام الأسد، تمسكت «قسد» بمطلب الإدارة الذاتية خلال مفاوضاتها مع الحكومة السورية. واستند موقفها إلى امتلاكها قوة عسكرية تضم آلاف العناصر، فضلاً عن الدعم الأمريكي الذي كانت تحظى به.
وأتاح هذا الموقف لقوى سورية أخرى الاستناد إلى نموذج «قسد» عقب المجازر التي وقعت في الساحل والسويداء، وكان أبرزها الحرس الوطني في محافظة السويداء، الذي تُعد مرجعيته الدينية والسياسية مرتبطة بالشيخ الدرزي حكمت الهجري.
وعلى مدى الفترة الماضية، روّج الهجري والحرس الوطني ومجلس الإدارة في السويداء، الذي أُطلق عليه اسم «جبل باشان»، لفكرة أن المطالبة بالإدارة الذاتية تعكس موقفاً أوسع لدى المكونات السورية الرافضة لحكومة من لون واحد.
لكن المسار الذي سلكته «قسد» مع الحكومة السورية انتهى إلى التخلي عن نموذج القوة العسكرية المستقلة والانخراط في مؤسسات الدولة. وبذلك فقدت حجة الإدارة الذاتية أحد أبرز النماذج التي كانت تستند إليها عملياً، بينما باتت السويداء والحرس الوطني في موقع أكثر عزلة، باعتبار أن المحافظة تمثل آخر منطقة رئيسية لا تخضع للسيطرة المباشرة للحكومة.
تراجع المظلة الأمريكية
لا يقتصر تأثير قرار «قسد» على الجانب العسكري، إذ يحمل القرار دلالة سياسية تتجاوز عملية دمج القوات. فالتراجع عن نموذج القوة العسكرية المستقلة، بعد تقلص المظلة الأمريكية، يشير إلى أن واشنطن لم تعد متمسكة، وفق القراءة المطروحة، ببقاء قوة عسكرية مستقلة أو مشروع إدارة ذاتية خارج مؤسسات الدولة السورية.
ويتقاطع ذلك مع ما ورد بشأن إبلاغ وزارة الدفاع الأمريكية قادة إقليم كردستان العراق أنها لا تعتزم، في الوقت الراهن، تجديد مذكرة المساعدات الأمنية لقوات البيشمركة بعد انتهاء سريانها في 30 أيلول/سبتمبر 2026.
ويعكس ذلك، وفق هذا الطرح، اتجاهاً أمريكياً أوسع نحو تقليص قنوات الدعم المباشر للقوى المحلية، وهو تحول يمكن أن تكون له انعكاسات على الأطراف التي لا تزال تعتمد على الدعم الخارجي للحفاظ على نفوذها العسكري والسياسي.
السويداء بعد تغير المعادلة
في المقابل، يمكن قراءة اتجاه حكمت الهجري إلى طلب مزيد من الدعم الإسرائيلي باعتباره محاولة لتعويض تراجع قدرة الحرس الوطني على الاستناد إلى نموذج «قسد» وموقعها السابق، والحفاظ على هامش للمناورة في مواجهة الحكومة السورية.
وفي هذا السياق، صدرت عن الهجري تصريحات قال فيها إن الدروز يشتركون مع “إسرائيل” في العقيدة والفكر، وإنهم جزء لا يتجزأ منها.
ويأتي ذلك بينما يواجه الحرس الوطني واقعاً مختلفاً بعد إعلان «قسد» حل نفسها والانخراط في مسار الاندماج داخل مؤسسات الدولة. ومن شأن توسيع المشاركة السياسية للكرد لاحقاً، بالتوازي مع اندماج «قسد» في مؤسسات الدولة، أن يعزز موقع مؤسسات الدولة، في مقابل زيادة الضغوط السياسية على الحرس الوطني.
ضغوط داخلية على الحرس الوطني
لا يرتبط مستقبل الحرس الوطني بالتحولات الإقليمية وحدها، إذ يواجه أيضاً تراجعاً في رصيده الشعبي، وفق المعطيات، على خلفية تصريحات الهجري المتكررة بشأن العلاقة مع “إسرائيل”، إضافة إلى احتكاكات بين عناصر الحرس وسكان محليين في مدينة السويداء.
وكان آخر هذه الاحتكاكات اتهام مجموعات تابعة للحرس الوطني بمنع طلاب شهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة من التوجه إلى المراكز الواقعة في مناطق سيطرة الحكومة من أجل تقديم الامتحانات الاستثنائية.
ومع غياب نموذج «قسد» كقوة عسكرية مستقلة تتبنى مشروع إدارة ذاتية وتخوض في الوقت ذاته مسار تفاوض واندماج مع الحكومة، يصبح الحرس الوطني أمام وضع أكثر صعوبة من الناحية السياسية والقانونية، وفق القراءة الحالية.
العلاقة السورية الإسرائيلية مفتاح المرحلة المقبلة
يبقى مستقبل الحرس الوطني ومناطق نفوذه مرتبطاً بدرجة كبيرة بمسار العلاقة بين الحكومة السورية و”إسرائيل”، وبمدى قدرة الطرفين على التوصل إلى تفاهمات أمنية متماسكة.
وفي حال أفضت هذه التفاهمات إلى الحد من الدور الإسرائيلي في جنوب سوريا، فمن شأن ذلك تقليص مساحة المناورة أمام الحرس الوطني وزيادة الضغوط عليه باتجاه الاندماج أو التفكك.
أما استمرار الخلاف السوري–الإسرائيلي، فقد يطيل فترة بقاء الحرس الوطني باعتباره ورقة ضغط محلية، لكنه لا يضمن تحوله إلى كيان مستقر أو معترف به.
وبذلك، فإن إعلان «قسد» حل نفسها لا يمثل تحولاً في وضع القوة الكردية وحده، بل يغيّر أيضاً السياق الذي تتحرك ضمنه القوى المحلية الأخرى، وفي مقدمتها الحرس الوطني في السويداء. ومع انتقال أحد أبرز الأطراف المسلحة إلى مسار الاندماج في مؤسسات الدولة، تتقلص مساحة الخيارات أمام القوى التي ما تزال خارج هذا المسار، بينما يصبح مستقبلها أكثر ارتباطاً بمواقف القوى الإقليمية والدولية وباتجاه العلاقة بين دمشق و”تل أبيب”.
إقرأ أيضاً: مصير «وحدات حماية المرأة» قيد التفاوض.. مقترح لقوة «مهام خاصة» بعد حل «قسد»
إقرأ أيضاً: «هآرتس»: اندماج «قسد» يعيد رسم المشهد السوري ويضع إسرائيل أمام مراجعة حساباتها