التصعيد الإسرائيلي في سوريا يتوسع.. دمشق أمام اختبار إعادة بناء الدولة والجيش

تتسع دائرة التحركات العسكرية الإسرائيلية داخل سوريا، بالتزامن مع استمرار التوغلات في الجنوب السوري وتنفيذ ضربات جوية وصلت إلى مناطق بعيدة عن الحدود، في وقت تواجه فيه الحكومة السورية تحدي إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية واستعادة قدرتها على ضبط الأراضي.

وخلال الأيام الماضية، امتدت الاستهدافات الإسرائيلية إلى ريف إدلب، حيث تعرض مطار أبو الظهور العسكري للقصف، بالتوازي مع استمرار التحركات الإسرائيلية في محافظتي درعا والقنيطرة ومناطق قريبة من دمشق. ويضع ذلك الحكومة السورية أمام واقع أمني معقد، في مرحلة ما تزال فيها عملية إعادة تنظيم مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية مستمرة.

وتقول “إسرائيل” إن تحركاتها داخل الأراضي السورية تهدف إلى منع ما تعتبره تهديدات محتملة لأمنها، والحيلولة دون تموضع قوى أو تشكيلات عسكرية ترى فيها خطراً على حدودها ومصالحها الأمنية.

أما دمشق، فتعتبر التوغلات والضربات الإسرائيلية انتهاكاً لسيادتها ومحاولة لفرض ترتيبات أمنية وعسكرية داخل الأراضي السورية من جانب واحد.

وتتزامن هذه التطورات مع مساعٍ سورية لإعادة بناء المؤسسة العسكرية وتعزيز قدرة الدولة على إدارة أراضيها، إلى جانب تطوير علاقات إقليمية جديدة، في مقدمتها العلاقة مع تركيا، وهو ما يثير تساؤلات حول انعكاس التعاون السوري التركي على الحسابات الإسرائيلية.

“إسرائيل” تستفيد من التفوق العسكري

يرى المحلل السياسي السوري المقيم في بولندا، حسام نجار، في حديث لـ”963+”، أن “إسرائيل” تنطلق من اعتقاد بأن حالة عدم الاستقرار في سوريا، إلى جانب تفوقها العسكري، تتيح لها فرض رؤيتها وأهدافها على المنطقة وعلى الدولة السورية.

ويقول نجار إن “تل أبيب” تسعى، وفق تقديره، إلى تكريس أمر واقع داخل سوريا، معتبراً أن المخاوف الأمنية التي تستند إليها “إسرائيل” لتبرير تحركاتها لا تعكس بالضرورة تهديدات قائمة، وإنما تستخدمها كمسوغ للتحرك داخل الأراضي السورية.

في المقابل، يرى أن دمشق تعمل بهدوء على إعادة بناء قدراتها العسكرية وتأسيس جيش بعقيدة قتالية مختلفة عن المرحلة السابقة، بالتوازي مع إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز قدراتها الدفاعية.

ويشير نجار إلى أن هذه العملية تشمل، بحسب تصوره، العمل على بناء منظومة للدفاع الجوي وتطوير قدرات جوية تتلاءم مع الجغرافيا السورية والواقع الأمني الجديد.

تجنب المواجهة إلى حين اكتمال القدرات

وبحسب نجار، تتعامل الحكومة السورية في المرحلة الراهنة مع التصعيد الإسرائيلي باعتباره ظرفاً مؤقتاً، وتفضل تجنب مواجهة مباشرة إلى حين استكمال بناء قدراتها العسكرية والدفاعية.

ويصف هذا النهج بأنه محاولة لـ”العض على الأصابع” للوصول إلى أهداف دمشق في المرحلة المقبلة، بدلاً من الدخول في مواجهة قبل اكتمال عناصر القوة التي تحتاج إليها.

وفي السياق نفسه، يرى نجار أن التفاهمات السورية الإسرائيلية تمثل ضرورة في المرحلة الحالية، مشيراً إلى ما يصفه بلقاء وزير الخارجية السوري مع مسؤول من جهاز الموساد الإسرائيلي، بهدف تهيئة الظروف لمناقشة إقامة منطقة أمنية مشتركة برعاية أمريكية.

ويعتقد أن “إسرائيل” تدرك أن استمرار دمشق في تطوير قدراتها الدفاعية يمكن أن يغير المعادلة العسكرية مستقبلاً، ولذلك تسعى، وفق تقديره، إلى استثمار المرحلة الحالية لفرض ترتيبات أمنية على الأرض قبل تغير موازين القوة.

التعاون مع تركيا تحت المجهر

ويربط نجار جانباً من الحسابات الإسرائيلية بحجم القوة البشرية التي يمكن أن تعتمد عليها سوريا مستقبلاً. ويشير إلى تصريحات لمسؤول إسرائيلي قدّر فيها عدد أفراد الجيش والقوات القادرة على حمل السلاح بنحو تسعة ملايين شخص.

وبحسب تفسير نجار، يشمل هذا الرقم عناصر الجيش النظامي والأفراد القادرين على حمل السلاح والقوات الرديفة.

ويعتبر المحلل السياسي أن “إسرائيل” تراقب إعادة بناء القدرات العسكرية السورية، خصوصاً بالتزامن مع تنامي التعاون بين دمشق وأنقرة.

ويقول إن “التعاون السوري التركي واضح للعيان”، ويربط تصاعد التصريحات والتهديدات المتبادلة بين تركيا و”إسرائيل” خلال الفترة الحالية، من بين عوامل أخرى، بهذا التعاون وما قد يترتب عليه من انعكاسات على التوازنات الإقليمية.

ويؤكد نجار أن بناء أي جيش يتطلب عقيدة قتالية وأهدافاً واضحة، معتبراً أن الجيش السوري الحالي يتحرك ضمن هذا الإطار، وأن عملية إعادة البناء يمكن أن تؤدي، وفق رؤيته، إلى تشكيل قدرات عسكرية أكثر ملاءمة للمرحلة المقبلة.

ويخلص إلى أن استمرار بناء القدرات السورية تدريجياً سيغير الظروف التي تتحرك فيها “إسرائيل” حالياً، معتبراً أن “لا خوف على سوريا مستقبلاً” إذا تمكنت من استكمال بناء مؤسسة عسكرية قادرة على حماية البلاد والدفاع عن أراضيها.

استعادة السيادة تبدأ من بناء مؤسسات الدولة

من جهته، يربط الدكتور إياس الخطيب، خبير العلاقات الدولية، قدرة دمشق على التعامل مع ما تعتبره “إسرائيل”، “خطوطاً حمراء” داخل سوريا بقدرتها على استعادة السيادة وبناء مؤسسات دولة قوية، وفي مقدمتها الجيش والمؤسسات التشريعية والسياسية.

ويقول الخطيب لـ”963+” إن بناء جيش سوري قوي لا يمكن فصله عن إعادة ترتيب الوضع الداخلي، بما يشمل إقامة مؤسسات سياسية وقانونية تمثل السوريين.

وبحسب رؤيته، فإن وجود جيش وطني وبرلمان حقيقي ووحدة داخلية يمنح الدولة شرعية أكبر وقدرة أوسع على ممارسة سيادتها وتعزيز حضورها في العلاقات الإقليمية.

لكن الخطيب يرى أن هذه العناصر لم تكتمل بعد في سوريا، ويعتبر أن انفتاح الحكومة على الخارج، من دون إعطاء الأولوية الكافية لإعادة ترتيب الوضع الداخلي، يسهم في إضعاف موقف دمشق أمام الضغوط الخارجية.

التنافس التركي الإسرائيلي ينعكس على الساحة السورية

ويرى الخطيب أن سوريا أصبحت خلال المرحلة الحالية ساحة تتقاطع فيها مشاريع إقليمية متعددة، معتبراً أن التنافس بين “إسرائيل” وتركيا بات أحد أبرز مظاهر هذا المشهد.

ويشير إلى أن هذا التنافس تجاوز التصريحات السياسية والإعلامية إلى مستوى أكثر حدة، لافتاً إلى أن وصول الضربات الإسرائيلية إلى مطار أبو الظهور في ريف إدلب يمثل تطوراً لافتاً.

وبحسب الخطيب، تحمل الضربة رسالة مرتبطة بالوجود والنفوذ التركي في سوريا، في ظل ما يعتبره تنامياً للقلق الإسرائيلي من الدور التركي.

ويضيف أن تزايد التعاون بين أنقرة ودمشق يمثل أحد أسباب هذا القلق، مشيراً إلى أن التوتر التركي الإسرائيلي لم يعد مقتصراً على الخطاب السياسي، بل بات يترافق أيضاً مع تحركات عسكرية وأمنية في المنطقة.

التوغلات الإسرائيلية وفرض وقائع جديدة

يقول الخطيب إن “إسرائيل” تستخدم المخاوف الأمنية لتبرير تحركاتها داخل سوريا، ويرى أن التوغلات في الجنوب السوري وتوسيع نقاط المراقبة والحواجز في مناطق من القنيطرة وريف درعا الغربي تعكس سعياً إلى إنشاء وقائع أمنية جديدة على الأرض.

كما يشير إلى أن “إسرائيل” تمكنت، بحسب تقديره، من تقديم نفسها كطرف يتدخل لحماية بعض المناطق السورية مستفيدة من حالة الصراع الداخلي، الأمر الذي يوفر لها ذرائع إضافية لتوسيع حضورها العسكري داخل الأراضي السورية.

وفي المقابل، يرى الخطيب أن دمشق لا تمتلك في الوقت الراهن أوراق ضغط كافية في أي تفاوض مع “إسرائيل”.

ويعزو ذلك إلى غياب القدرات العسكرية والاقتصادية والسياسية التي يمكن أن تمنح الحكومة السورية قدرة أكبر على التأثير في الطرف الآخر، معتبراً أن هذا الواقع يجعل أي تفاوض بين الجانبين غير متكافئ.

وبينما تواصل “إسرائيل” تحركاتها العسكرية في الجنوب وتوسع نطاق استهدافاتها إلى مناطق أخرى، يبقى موقف دمشق مرتبطاً بقدرتها على استكمال إعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش، في ظل تنافس إقليمي متزايد يجعل الساحة السورية جزءاً من حسابات أمنية تتجاوز حدودها.

إقرأ أيضاً: تصاعد الهجمات الإسرائيلية على بلدة بيت جن: الأهمية الاستراتيجية والدلالات الميدانية

إقرأ أيضاً: من القنيطرة إلى إدلب.. تفاصيل 14 اعتداءً إسرائيلياً على سوريا خلال أغسطس

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.