كل 6 ساعات ضحية..الذخائر غير المنفجرة تستنزف الأرواح في سوريا
تستمر الألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة في حصاد أرواح المدنيين في سوريا بمعدل ضحية واحدة كل ست ساعات، لتشكل عائقًا جسيمًا أمام تعافي البلاد بعد حرب طاحنة استمرت لأكثر من 13 عامًا، وذلك وفق ما أفاد تقرير لوكالة فرانس برس.
تتجسد هذه المأساة في تفاصيل حياة المزارعة الأربعينية ملكة بربور، المقيمة في منزل متواضع بريف دمشق، وهي تروي تفاصيل الفاجعة التي ألمت بعائلتها قبل نحو ثمانية أشهر، عندما خرج أطفالها لجمع المواد القابلة للاشتعال والبلاستيك لاستخدامها في التدفئة، دون أن يدركوا أن من بينها جسمًا خطيرًا من مخلفات الحرب.
وبحسب فرانس برس، انفجر هذا الجسم داخل المدفأة، مما أسفر عن مقتل نجلها أحمد البالغ من العمر 17 عامًا إثر إصابته بشظية تسببت بنزيف حاد، بينما أصيب شقيقاه حيدر (10 سنوات) وغيث (7 سنوات)، لتبقى الندوب والآلام شواهد حية على حزن العائلة المقيم وخوفها المستمر على بقية أبنائها.
حصيلة ثقيلة للضحايا وإحصاءات متصاعدة
أوضحت وكالة فرانس برس أنه منذ سقوط النظام السابق في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، سجلت آلية تنسيق خاصة بسوريا تقودها دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام وتضم منظمات دولية غير حكومية، نحو 1337 حادثة ناجمة عن الذخائر المتفجرة، وأسفرت عن سقوط 2375 قتيلاً وجريحًا، كان من بينهم أكثر من 850 طفلاً، وسط ترجيحات بأن تكون الأرقام الفعلية أعلى من ذلك بكثير.
ونقلاً عن تقرير أولي لمرصد الألغام والذخائر العنقودية نشر في يونيو/حزيران، تصدرت سوريا قائمة أعلى دول العالم في عدد ضحايا الألغام الأرضية ومخلفات الحرب خلال العام الماضي، بإصابة ومقتل 1600 شخص.
وفي السياق ذاته، أفاد سايمون جاكسون، مدير برنامج منظمة “هالو تراست” في سوريا—وهي أكبر المنظمات الدولية المتخصصة في إزالة الأجسام المتفجرة—بأن المنظمة رصدت منذ مطلع العام الحالي مقتل وإصابة قرابة 700 شخص، شكلت الوفيات ثلثهم، وكان الأطفال ضحايا لثلث تلك الحوادث أيضًا.
وأشار جاكسون إلى أن مطلع عام 2025 شهد ارتفاعًا حادًا في الحوادث بالتزامن مع تدفق النازحين للعودة إلى مناطقهم، حيث وقعت أكثر من 60% من تلك الانفجارات في أراضٍ زراعية ومناطق رعي.
عقبات ميدانية ونقص في المعدات
تتضافر جهود الفرق المتخصصة والمنظمات الدولية مثل “هالو تراست” بالتنسيق مع السلطات السورية لتطهير الأراضي، غير أن حجم التلوث يفرض تحديات هائلة.
وذكر جاكسون أن الذخائر تمنع السكان من إعادة بناء منازلهم وأعمالهم وتعيق المزارعين عن زراعة أراضيهم، مؤكدًا أنه حتى لو تم مضاعفة وتيرة العمل، فإن الأمر سيستغرق عشر سنوات على الأقل، وقد يمتد إلى 20 أو 30 عامًا لحل المشكلة بالكامل وتمكين الحكومة من إدارة المخاطر المتبقية.
وعلى الأرض، تعمل الفرق في أحياء دمرتها المعارك مثل حي جوبر بريف دمشق، حيث أوضح حسين قزحلي، مسؤول العمليات في المنطقة الجنوبية بالمنظمة، أن الفرق لم تتمكن سوى من تطهير نحو 200 ألف متر مربع من الطرق خلال ثمانية أشهر من العمل الشاق، نظرًا لكثرة الركام والمعادن والشظايا التي تعقد عمليات الكشف، إلى جانب النقص الحاد في الموارد والعاملين المدربين والمعدات المتطورة.
غياب الخرائط وتحديات الهندسة العسكرية
تتواصل الجهود في مناطق أخرى مثل بلدة قارة بريف دمشق، حيث تفجر كاسحات الألغام التابعة للهندسة العسكرية الألغام المضادة للأفراد وللآليات في أراضٍ قاحلة.
ووفق ما نقله تقرير فرانس برس عن مصدر في وحدات الهندسة التابعة لوزارة الدفاع، فإن الوزارة تنفذ خطة تدريجية لتطهير الأراضي ذات الأولوية كالمناطق المأهولة والطرق والأراضي الزراعية.
غير أن هذه الجهود تصطدم بعقبات رئيسية أبرزها غياب الخرائط لبعض حقول الألغام، واتساع المساحات الملوثة، وخطورة الذخائر.
ويعتمد الكشف ميدانيًا على بلاغات السكان والمسح الميداني والخرائط المتاحة. وقد دفع الجيش السوري ثمنًا باهظًا لهذه العمليات، حيث قُتل 47 عنصرًا وأصيب أكثر من 90 آخرين منذ سقوط الحكم السابق.
وأكد المصدر عدم وجود تقدير دقيق حتى الآن لمساحة الأراضي المزروعة بالألغام، حيث تسفر عمليات البحث اليومية عن اكتشاف مواقع جديدة باستمرار، مما يجعل تحديد أفق زمني لإنجاز المهمة أمرًا تعذر حسمه.
اقرأ أيضاً:مخلفات الحرب تغطي 80% من الأراضي السورية.. وتسجيل 70 ضحية خلال نصف عام
اقرأ أيضاً:179 قتيلاً في سوريا خلال آب