مسار التفاوض تحت الإكراه: كيف تُعيد “إسرائيل” رسم حدود الأمن والسيادة في الجنوب السوري؟
شهدت العاصمة الأردنية عمان في 23 أغسطس/آب 2026 استضافة اجتماع رفيع المستوى بين سوريا و”إسرائيل” برعاية أمريكية، بهدف احتواء التصعيد الميداني، والتفاوض على أطر اتفاق أمني جديد، ومحاولة منع امتداد الصراع الإسرائيلي-التركي إلى الداخل السوري.
غير أن الوقائع الميدانية اللاحقة رسمت مساراً مغايراً لأهداف التهدئة المعلنة؛ إذ اقتحمت القوات الإسرائيلية في اليوم التالي بلدة معرية بريف درعا وصيدا الجولان في القنيطرة لتفتيش المنازل والمزارع، أتبعها وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي “يسرائيل كاتس” بزيارة تفقدية لقواته داخل الجنوب السوري، مؤكداً استمرار التواجد العسكري ما دامت “إسرائيل” ترى أن المخاطر الأمنية قائمة.
الواقع الميداني وتكريس سياسة الأمر الواقع
تكشف التطورات المتلاحقة عن استراتيجية تعتمد على تقاطعات القوة الميدانية لإدارة العملية التفاوضية، حيث يُستخدم التواجد العسكري المباشر والعمليات الاستهدفاية لإملاء حدود ما يمكن صياغته على طاولة الحوار.
[23 أغسطس/آب 2026] [24 أغسطس/آب 2026] [26 أغسطس/آب 2026]
اجتماع عمان السوري-الإسرائيلي ──► توغل عسكري في درعا والقنيطرة ──► زيارة وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي
برعاية أمريكية وتفتيش منازل ومزارع وتأكيد بقاء القوات في الجنوب
وتسعى “تل أبيب” من خلال هذه التوغل إلى فرض الترتيبات التاليات:
-
تثبيت الشريط الأمني: إبقاء الوجود العسكري متقدماً في الجولان ومحيطه كمرتكز رئيسي لأي اتفاق.
-
فرض خطوط حمراء أحادية: الاحتفاظ بحق تنفيذ غارات وتناوب التوغل بدعوى الحياد والوقاية من التهديدات.
-
تقييد إعادة التمركز: فرض قيود صارمة على طبيعة وانتشار قوات الجيش السوري في المناطق الجنوبية.
الأهمية الجغرافية والاجتماعية للجنوب السوري
ترتبط التحركات الميدانية بالطبيعة التضاريسية والاستراتيجية للمنطقة الجنوبية، والتي توفر مزايا تكتيكية وأمنية متعددة:
| المنطقة / المفهوم | الأهمية الاستراتيجية والميدانية |
| جبل الشيخ | يوفر منصة رصد وإشارة متقدمة تطل على المساحات الممتدة في عمق الأراضي السورية. |
| القنيطرة وخط الفصل | تشكل البوابة الرئيسية لخطوط التماس في الجولان ومفصل التحكم في الحدود. |
| ريف درعا الغربي وحوض اليرموك | شريان حيوي يربط بين الحدود الأردنية والحدود الجنوبية الغربية. |
| الأثر الاجتماعي والاقتصادي | تؤدي القيود على الحركة والتفتيش شبه اليومي إلى تعطيل النشاط الزراعي وتوسيع الضغط على المجتمعات المحلية. |
وكانت الإحاطة الأممية الصادرة في يونيو/حزيران قد أشارت إلى استمرار التحركات العسكرية الإسرائيلية داخل منطقة الفصل، بما شمل إقامة حواجز وتفتيش مدنيين، ما فرض بواقع عملي يستهدف رفع كلفة الانسحاب.
التنافس الإقليمي وحسابات التهدئة مع أنقرة
لم تتوقف العمليات العسكرية عند الحدود الجنوبية، بل امتدت لتشمل مناطق الشمال السوري؛ حيث شكل قصف مطار أبو الظهور العسكري في إدلب مؤشراً على اتساع دائرة التنافس الإقليمي.
وجاء الاستهداف الإسرائيلي للمطار – الواقع على بعد 70 كم من الحدود التركية – بداعي منع احتمال نشر دفاعات أو قوات تركية فيه، وهو ما نفته كل من دمشق وأنقرة.
أوضح المبعوث الأمريكي توم براك أن واشنطن تعمل على تطوير آلية لمنع الاحتكاك المباشر بين “إسرائيل” وتركيا وسوريا، مبيناً أن رصد أنقرة للطائرات المتجهة شمالاً كاد يرفع احتمالية الاستجابة العسكرية. وتبرز الحادثة الحدود الفاصلة للتحركات الميدانية عندما تقترب من مناطق التواجد والنفوذ التركي.
أهداف الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية
تتحرك العمليات الميدانية المتواصلة للتحكم في 3 مسارات أساسية:
-
تحسين الموقف التفاوضي: مقايضة المواقع التي تم التوغل فيها بقبول مناطق منزوعة السلاح.
-
فرض الخطوط الحمراء ميدانياً: منع نشوء أي قدرات دفاعية أو منظومات رادار تحد من التفوق الجوي الإسرائيلي.
-
توفير ضمانات أمنية مستمرة: الإبقاء على خيارات التدخل المباشر قائمة في حال تعثر المسارات السياسية.
التحديات السياسية وآليات التعامل السوري
تواجه السياسة السورية تحديات تتصل بكيفية صياغة إطار استراتيجي موحد يتجاوز ردود الفعل المنفصلة تجاه التطورات الميدانية.
وتقتصر الاستجابة الحالية غالباً على البيانات الرسمية والتواصل مع الوسطاء عقب كل حادثة، دون إرساء جدول زمني يلزم الجانب الآخر بالانسحاب إلى خطوط ما قبل 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، أو إعادة تفعيل اتفاق فصل القوات لعام 1974 بشكل كامل.
ويؤدي غياب الآليات التنفيذية الصارمة للتفاوض إلى المخاطرة بتحويل الترتيبات الأمنية المؤقتة إلى أمر واقع مستمر، مما يقلص من استعادة كامل السيادة الوطنية على الشريط الحدودي والقرار العسكري في الجنوب.
إقرأ أيضاً: التنافس التركي – الإسرائيلي يتزايد في سوريا.. أنقرة تحكم دمشق فعلياً
إقرأ أيضاً: عدوان إسرائيلي على مطار أبو الظهور.. هل يُعطل خطط إعادة تأهيل سلاح الجو السوري؟