الليرة الجديدة تربك السوريين.. الأسعار القديمة ما زالت عالقة في الذاكرة
لم يكن حذف صفرين من العملة السورية مجرد عملية حسابية لتقليص الأرقام على الأوراق النقدية، بل تحول إلى اختبار يومي لقدرة الناس والأسواق على التكيف مع مقياس نقدي جديد. فمنذ دخول الليرة الجديدة التداول، بدأ السوريون يعيدون حساب أسعار السلع والأجور والخدمات من الصفر تقريباً، بينما بقيت ذاكرة الأرقام القديمة أثقل من أن تختفي بقرار مصرفي.
الحكاية التي تعيشها أم ربيع تختصر المشهد. عندما طلب منها سائق سيارة أجرة 170 ليرة جديدة، اعتقدت للحظة أنه يطالبها بـ170 ألف ليرة وفق المقياس القديم، قبل أن يوضح أن المبلغ يعادل 17 ألف ليرة قديمة. بالنسبة إلى من أمضى سنوات يحسب حاجاته بالمئات والآلاف والملايين، لم تكن المسألة واضحة كما تبدو على الورق.
ليرة جديدة.. وذاكرة نقدية قديمة
بدأت عملية استبدال العملة مطلع 2026، ودخلت الأوراق الجديدة التداول في الثالث من كانون الثاني، مع حذف صفرين من القيم الاسمية مع الحفاظ نظرياً على القوة الشرائية ذاتها. واستمر التداول بالعملتين حتى 30 تموز، قبل أن تفقد الأوراق القديمة قوتها الإبرائية.
لكن الانتقال إلى العملة الجديدة لم يكن متزامناً في كل أنحاء السوق. فبينما جرى إلزام المؤسسات الحكومية والخدمات الرسمية باستخدامها، ظل جزء من النشاط التجاري والمجتمعي يتعامل بمنطق الأسعار القديمة أو يقارن بين العملتين، ما أبقى الارتباك حاضراً حتى بعد انتهاء التداول المزدوج.
وتكمن المشكلة في أن تغيير وحدة القياس لا يغير وحده طريقة تفكير المستهلك. من اعتاد أن يرى راتبه أو فاتورة مشترياته بأرقام من ستة أو سبعة خانات يحتاج إلى وقت حتى تصبح الأرقام الجديدة مألوفة، خصوصاً لدى كبار السن وأصحاب الأعمال الصغيرة.
فئة مفقودة تزيد الحيرة
لم يتوقف الارتباك عند حذف الأصفار. فقد كشفت التعاملات الصغيرة عن ثغرة أكثر يومية، تتعلق بالفئات النقدية.
فالـ500 ليرة القديمة أصبحت تعادل 5 ليرات جديدة، في حين تبدأ الفئات الجديدة من 10 ليرات. وبذلك ظهرت مشكلة إعادة الباقي في عدد من المعاملات الصغيرة، ولا سيما في النقل والمحال الشعبية.
وبحث بعض الباعة عن حلول بديلة، فوضعوا سلعاً بسيطة كقطع السكر أو الشوكولا لتعويض الفارق. وقد تبدو هذه الحلول طريفة، لكنها في واقع الأمر تكشف نقصاً في تصميم الدورة النقدية الجديدة، وتفتح باباً لمشكلة أكثر حساسية: تقريب الأسعار صعوداً عندما لا يتوفر الباقي.
السهولة على الورق.. والتعقيد في السوق
يقول بعض التجار إن الليرة الجديدة خففت عبء حمل رزم كبيرة من الأوراق وسهّلت العدّ والحساب. لكن آخرين يرون أن الخطوة لم تنه المشكلة الأساسية، لأن التاجر والمستهلك ما زالا يعملان داخل اقتصاد تتغير فيه الأسعار بسرعة.
ويزداد التعقيد عندما تدخل العملة الجديدة في خدمات تعتمد على التحويل والحساب السريع، إذ يمكن لخطأ واحد في تحويل الأرقام أن يتحول إلى خسارة فعلية. ومع ضعف انتشار وسائل الدفع الإلكتروني في قطاعات واسعة، تبقى التعاملات النقدية اليومية هي الساحة الأكبر لهذا الارتباك.
وهنا يظهر قصور في إدارة الحكومة الانتقالية للمرحلة الانتقالية: لا يكفي إصدار الأوراق الجديدة وسحب القديمة، ثم ترك السوق يتعلم وحده. كان الانتقال يحتاج إلى حملة توعية واسعة، وتسعير مزدوج ممتد في القطاعات الحساسة، وتأمين الفئات الصغيرة قبل سحب العملة القديمة، وآليات واضحة وسريعة لتسوية الفروق والخلافات.
التجارب الدولية لا تختصر الحكاية
توضح تجارب دول أخرى أن حذف الأصفار لا ينجح وحده في معالجة الاقتصاد. ففي تركيا جاء حذف ستة أصفار عام 2005 بعد سنوات من سياسات الاستقرار النقدي وخفض التضخم. وفي إيران، استغرق مشروع حذف الأصفار سنوات طويلة قبل الانتقال إلى مراحل تنفيذية متعددة.
المغزى واضح: تغيير شكل الرقم لا يعالج سبب تآكل قيمته. فإذا بقي التضخم مرتفعاً أو بقيت الأسعار تتحرك بسرعة أكبر من الدخل، فإن الليرة الجديدة قد تعيد إنتاج المشكلة نفسها بأرقام أصغر.
الصفران اختفيا.. لكن المشكلة لم تختفِ
أنهت الحكومة الانتقالية الجزء الأكبر من عملية استبدال العملة، وحققت الليرة الجديدة هدفها الأساسي في تقليص حجم الأرقام وتسهيل حمل النقد وتسجيل الأسعار. لكن نجاح العملية لا يقاس بالشكل وحده.
فالمستهلك يحتاج إلى أن يفهم السعر فوراً، والبائع يحتاج إلى أن يعيد الباقي بدقة، والسوق تحتاج إلى هيكل فئات نقدية متكامل، والدولة تحتاج إلى سياسة اقتصادية تحافظ على قيمة ما تصدره من نقود.
حتى الآن، يبدو أن الصفرين حُذفا من الورق أسرع مما حُذفا من السوق والذاكرة. ولهذا لا يزال السؤال الأكثر شيوعاً في الشارع السوري بسيطاً ومربكاً في آن: كم يساوي هذا السعر فعلاً؟
اقرأ أيضاً: أزمة الليرة الجديدة في سوريا.. نقص السيولة يربك شراء الوقود