حادث شاحنة على جسر الرستن.. وفاة وإصابة يعيدان سؤال سلامة الطرق في سوريا

لم يمضِ وقت طويل على إعادة جسر الرستن إلى الخدمة حتى عاد اسمه إلى الواجهة من بوابة حادث سير أنهى حياة شخص وأصاب آخر بجروح حرجة. فقد انقلبت شاحنة محملة بمشروبات الطاقة فوق الجسر، اليوم الخميس 27 آب، قبل أن تشتعل فيها النيران، ما أدى إلى إغلاق الممرات مؤقتاً وتحويل حركة السير.

وبحسب رئيس دائرة الاتصال الحكومي في مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث بحمص، مالك حميدان، نجم الحادث عن السرعة الزائدة، فيما تمكنت فرق الإطفاء من السيطرة على الحريق خلال دقائق. وأوضح أن الشاحنة لم تكن تحمل أي مواد خطرة، بينما نُقل المصاب إلى نقطة الهلال الأحمر في الرستن لتلقي الرعاية الطبية.

لكن سرعة الاستجابة لم تلغِ النتيجة الأثقل: وفاة جديدة على طريق لا تزال السلامة فيه واحدة من أكثر حلقات النقل هشاشة.

الجسر يغلق.. والحركة تختنق

استدعى الحادث إغلاق الجسر نحو ساعتين وتحويل السير عبر مسار بديل داخل مدينة الرستن، قبل فتح المسرب الشرقي واستمرار العمل لإزالة آثار الحريق والشاحنة من المسرب الغربي.

وشاركت في الاستجابة أربعة فرق، بينها فريقان للإطفاء وفريق إسعاف وفريق إنقاذ، بإجمالي تراوح بين 30 و50 مستجيباً، وفق مديرية الطوارئ.

المشهد يعكس قدرة الأجهزة المعنية على الاستجابة بعد وقوع الكارثة، لكنه يسلط الضوء أيضاً على الوجه الآخر للمشكلة: ماذا يجري قبل الحادث، حين تتقاطع السرعة مع طريق مزدحم وشاحنات ثقيلة وجسر استراتيجي يفترض أن يشكل أحد أكثر أجزاء الطريق أماناً؟

جسر أعيد بناؤه ولم تنتهِ مخاطره

تزداد حساسية الحادث لأن جسر الرستن عاد إلى الخدمة بعد أعمال تأهيل واسعة أعقبت أضراراً كبيرة لحقت به أواخر 2024. وشملت الأعمال معالجة أجزاء إنشائية وتركيب جوائز وصيانة الفواصل والأرصفة، في مشروع وصفته وزارة النقل بأنه من المشاريع الهندسية المعقدة.

ويُعد الجسر جزءاً من محور حيوي لحركة النقل بين مناطق واسعة من سوريا، كما يخدم نقل البضائع والتجارة على الطريق الدولي.

لكن إعادة تأهيل الجسر لا تعني أن شبكة الطرق المحيطة به أصبحت آمنة تلقائياً. فسلامة البنية الإنشائية عنصر واحد فقط في معادلة أكثر تعقيداً تشمل جودة الطريق، والسرعات، وحمولة الشاحنات، والإشارات المرورية، والرقابة، وصلاحية المركبات.

السرعة ليست العذر الوحيد

تقول الجهات المحلية إن السرعة الزائدة كانت سبب الحادث، وهو ما يجعل المسؤولية المباشرة مرتبطة بسلوك السائق. لكن اختزال مشكلات السلامة المرورية في أخطاء فردية يترك جزءاً من الصورة خارج النقاش.

فالحكومة مطالبة بأن تتعامل مع الطرق بوصفها منظومة سلامة متكاملة، لا مجرد مشاريع تزفيت وتأهيل. فالشاحنات الثقيلة تحتاج إلى رقابة على حمولاتها وصلاحيتها الفنية، والطرق السريعة تحتاج إلى ضوابط سرعة فعالة، والجسور الحيوية تحتاج إلى مراقبة مستمرة بعد افتتاحها، لا الاكتفاء بإعلان انتهاء المشروع.

ويأتي ذلك في وقت تشير فيه المعطيات الرسمية إلى ارتفاع مخاطر حوادث السير في سوريا، بينما لا تزال أجزاء واسعة من شبكة الطرق تعاني آثار سنوات من التدهور ونقص الصيانة.

إعادة الإعمار لا تكفي وحدها

حادث الرستن لا يعني أن أعمال تأهيل الجسر فشلت، ولا يثبت وجود خلل إنشائي فيه، ما لم تظهر نتائج فنية للتحقيق. لكنه يذكّر بأن افتتاح مشروع جديد لا ينهي مسؤولية الدولة، بل يبدأ مرحلة أخرى من الرقابة والصيانة وضبط حركة المرور.

الجسر الذي أعيد بناؤه ليعيد وصل الطرق والتجارة لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد نقطة عبور أخرى في قائمة الحوادث. وما تحتاجه سوريا ليس جسوراً وطرقاً جديدة فقط، بل منظومة قادرة على حمايتها من الاستخدام الخطر والإهمال المتراكم.

وفي النهاية، قد يكون إخماد حريق الشاحنة خلال دقائق نجاحاً لفرق الإنقاذ، لكن خسارة حياة واحدة تكفي لتذكير الحكومة الانتقالية بأن الاختبار الحقيقي للبنية التحتية لا يكون يوم افتتاحها، بل في قدرتها على حماية من يعبرونها كل يوم.

 

اقرأ أيضاً: جسر الرستن يفتح أبوابه ويثير الأسئلة.. من موّل المشروع ومن حصد رواية الإنجاز؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.