صفقات التهدئة وضغوط الاعتراف: أبعاد التفاهمات الأمريكية الإسرائيلية مع دمشق

داما بوست

شهدت الساحة السياسية والأمنية في الشرق الأوسط تسارعاً لافتاً في الملف السوري، تجسد في صدور قرار أمريكي بإلغاء تصنيف «جبهة النصرة» (التي عُرِّفت بشرطية التسمية باسم «هيئة تحرير الشام») كمنظمة إرهابية، بالتوازي مع رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

وجاءت هذه الخطوة الأمريكية في أعقاب تحركات ميدانية ومفاوضات أمنية جمعت مسؤولين سوريين برئاسة جهاز «الموساد» الإسرائيلي، مما يفتح الباب أمام قراءة أبعاد الصفقة السياسية والأمنية ومقابيلها الميدانية.

 تسلسل الأحداث الميدانية والمسار التفاوضي

جاءت التطورات متلاحقة بين التصعيد العسكري الميداني والدبلوماسية المغلقة:

  • الميدان العسكري: نفذ قائد أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي إيال زامير جولة ميدانية في مناطق التوسع بالمنطقة العازلة جنوبي سوريا، وذلك عقب استهداف مطار أبو الظهور العسكري بريف إدلب.
  • المفاوضات الأمنية: عُقد اجتماع مغلق بين مسؤولين سوريين وجهاز «الموساد»، أعلنت إثره دمشق أن المناقشات تركزت على وضع آليات ‏عملية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وعمليات الاعتقال والاستهداف، وإحياء مسار ‏التفاوض بهدف التوصل إلى اتفاق أمني يمكن أن يشكل أساساً لاتفاق مستقبلي أكثر ‏شمولاً.
  • اجتماع «الكابينت» والقرار الأمريكي: عقب الاجتماع الأمني، عقد المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية «الكابينت» الإسرائيلي جلسة تقييمية، تلاها خلال 24 ساعة صدور القرارات الأمريكية بإلغاء التصنيفات وتحفيف القيود الدولية.

أبعاد التفاهمات والتمدد الإسرائيلي في الجنوب

كشفت تسريبات إعلامية، بينها تقارير للقناة 12 العبرية ومصادر غير رسمية، عن حزمة من البنود التي تتقاطع مع الأهداف الاستراتيجية لـ “إسرائيل” في المنطقة الجنوبية:

  • ملف السويداء والأمن الإقليمي: تضمنت المخرجات بنوداً تتعلق بحماية أمن الدروز في السويداء، وهي المنطقة التي تنظر إليها “تل أبيب” كمنطقة نفوذ متقدمة خلف خطوط الاشتباك، في ظل اعتماد الإدارة السورية الجديدة الخيار الدبلوماسي لتجنب المواجهة العسكرية المباشرة.

التداعيات الجيوسياسية المتوقعة

تؤدي التفاهمات المسربة والتحركات الميدانية المتزامنة إلى نتيجتين بارزتين على الخريطة الأمنية للبلاد:

  1. إعادة توزيع القوات: خروج القوات الحكومية السورية من الريف الغربي للسويداء، احتمالاً عقب توترات أو اشتباكات موجهة مع تشكيلات «الحرس الوطني» المحلي.
  2. السيطرة الأمنية في الجنوب: تمكين السيطرة الأمنية الإسرائيلية على المنطقة الممتدة من جبل الشيخ وصولاً إلى السويداء وأجزاء من ريف دمشق الجنوبي، مع فتح المجال نحو بادية الشام وصولاً لمنطقة التنف، بما يعيد طرح مشاريع الممرات الاستراتيجية في المنطقة (ممر داوود).

 تحليل: شرعية مشروطة ومعادلة التفاوض تحت الضغط

تُظهر قراءة المشهد السياسي أن واشنطن و”تل أبيب” تتبعان استراتيجية «الدبلوماسية المشروطة» تجاه الحكم الجديد في دمشق؛ حيث تُمنح جرعات الشرعية وتخفيف الحصار الاقتصادي مقابل تنازلات ميدانية وأمنية ملموسة في الجنوب.

إن الحرص الأمريكي على الاحتفاظ بالربط اللفظي بين «هيئة تحرير الشام» ومسماها القديم «جبهة النصرة» في نص قرار إلغاء التصنيف، يمثل أداة ابتزاز سياسي مستمرة، تهدف إلى إبقاء ملف الشرعية مشروطاً بالالتزام السوري الكامل ببنود التهدئة والتفاهمات الأمنية.

وفي المقابل، فإن اعتماد دمشق على الخيار الدبلوماسي لتقليل الخسائر العسكرية يضعها أمام تحدي الحفاظ على السيادة الوطنية، حيث يهدد التوسع الإسرائيلي الميداني بفرض واقع جغرافي جديد يقتطع أجزاء من الجنوب ويقلص قدرة الدولة على إدارة كامل حدودها الإقليمية.

إقرأ أيضاً: الولايات المتحدة ترفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد 47 عاماً

إقرأ أيضاً: خطوط إسرائيل الحمراء في سوريا.. لماذا تقلق تل أبيب من النفوذ التركي؟

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.