آلاف الآبار تهدد مياه درعا.. إنذار حكومي متأخر أمام استنزاف حوض اليرموك

لم تعد أزمة المياه في درعا مجرد تراجع في ساعات الضخ أو انقطاع يصل إلى بعض القرى، بل تتجه نحو أزمة أعمق تتعلق بالمصدر نفسه. فالمحافظة تحذر اليوم من استنزاف متسارع للمياه الجوفية بفعل آلاف الآبار المخالفة والتعديات على شبكات وخطوط المياه والاستجرار غير المشروع، في مشهد يكشف حجم الفجوة بين ما تحتاجه المحافظة وما تملكه الحكومة من أدوات لضبط أحد أكثر مواردها حساسية.

وقالت محافظة درعا إن استمرار حفر الآبار المخالفة والضخ العشوائي يهدد قدرة الأحواض الجوفية على التجدد، وينعكس على مياه الشرب والزراعة واستقرار السكان، مؤكدة أن الملف تجاوز حدود المخالفة الخدمية وأصبح مرتبطاً بالأمن المائي للمحافظة.

20 ألف بئر خارج الرقابة

تكشف أرقام سابقة عن حجم المشكلة. فعدد الآبار المخالفة في درعا يقدّر بنحو 20 ألف بئر، مقابل نحو 4500 بئر مرخص، بحسب مدير الموارد المائية في المحافظة هاني العبد الله.

ولم يتوقف الاستنزاف عند الحفر فقط، إذ تجاوزت أعماق بعض الآبار 500 متر، بينما خرجت مصادر مائية وآبار ومحطات ضخ من الخدمة مع تراجع غزارتها، ما يعني أن المشكلة لم تعد في حجم الطلب وحده، بل في قدرة الطبيعة نفسها على تعويض ما يُسحب منها.

وفي منطقة حوض اليرموك، بدأت الشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي في تموز الماضي توجيه إنذارات إلى أصحاب الآبار غير المرخصة، مطالبة بإزالة تجهيزاتها ووقف الضخ العشوائي، بعد أن أظهرت الجولات الميدانية تأثير الاستجرار غير المنظم في غزارة الينابيع المغذية لمحطات مياه الشرب.

حين تصبح المخالفة جزءاً من الحل

المفارقة الأكثر وضوحاً أن الجهات الرسمية اضطرت في بعض الحالات إلى التعامل مع الآبار المخالفة باعتبارها جزءاً من الحل، إذ بدأت المحافظة تسوية أوضاع بعض الآبار القريبة من محطات الإرواء، والاستفادة منها في تأمين مياه الشرب عند توافر الشروط الفنية والقانونية.

وهكذا تحولت المخالفة من مشكلة ينبغي منعها إلى مورد اضطراري يجري البحث في كيفية توظيفه، في انعكاس مباشر لسنوات من ضعف الرقابة وغياب التخطيط المتكامل لمصادر المياه.

خطة طويلة الأمد.. بعد سنوات من الاستنزاف

تقول محافظة درعا إنها تعمل على مسارين: إجراءات إسعافية لضمان وصول مياه الشرب، وإزالة التعديات ومحاسبة المخالفين ومن يثبت تواطؤه معهم، بالتوازي مع خطة طويلة الأمد لتنظيم استخدام الموارد المائية.

وتتضمن الخطة إعطاء مياه الشرب والاستخدام المنزلي الأولوية، ودفع الزراعة تدريجياً نحو محاصيل أقل استهلاكاً للمياه.

لكن المشكلة أن الحديث عن التخطيط يأتي بعد أن أصبح النزيف عميقاً. فالمورد الذي كان يفترض أن يخضع للقياس والتنظيم والرقابة تحوّل خلال سنوات إلى آلاف الآبار المنتشرة خارج السيطرة، فيما باتت المحافظة تواجه مهمة استعادة السيطرة على ما يمكن استعادته قبل أن يصبح جزء من الخزان الجوفي غير قابل للتعويض.

أزمة تتجاوز الآبار

تضع هذه المعطيات الحكومة السورية الانتقالية أمام ملف لا يحتمل التأجيل. فمعالجة التعديات وإغلاق الآبار المخالفة لن تكون كافية وحدها إذا لم تترافق مع نظام رقابة فعلي، وقاعدة بيانات دقيقة للآبار، ومنع الحفر غير المرخص، وإدارة صارمة للري واستخدام المياه.

كما أن الاستمرار في السماح باستنزاف المياه الجوفية ثم البحث لاحقاً عن حلول إسعافية يعني استمرار إدارة الأزمة بدلاً من إدارة المورد.

وفي درعا، لا يبدو السؤال اليوم كم بئراً إضافية يمكن حفرها، بل كم من المياه بقيت تحت الأرض أصلاً. فحين يصبح إنقاذ مياه الشرب مرتبطاً بآبار مخالفة، وتحتاج الدولة إلى تسوية جزء من المخالفات لتأمين احتياجات السكان، فإن ذلك يكشف أن أزمة المياه وصلت إلى مرحلة لم تعد معها القرارات المتأخرة قادرة وحدها على استعادة ما جرى استنزافه.

 

اقرأ ايضاً: شح المياه يهدد زراعة درعا.. آبار عشوائية ومخزون جوفي يتراجع وسط غياب الحلول المستدامة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.