المشاريع العقارية بمليارات الدولارات في سوريا: استثمارات أجنبية أم تمويل من مدخرات المحليين؟

تتواتر الإعلانات عن إطلاق مشاريع عقارية وسكنية ضخمة بمليارات الدولارات في سوريا، حيث تراوحت قيمة المشاريع المطروحة منذ أواخر عام 2025 وحتى النصف الثاني من 2026 بين 2.5 و3 مليارات دولار في مراحلها الأولى.

وتُعادل هذه الاستثمارات المعلنة نحو 85% من إجمالي الإنفاق الحكومي في موازنة عام 2025 والبالغ 3.45 مليار دولار، إلا أن آليات التمويل المتبعة تثير تساؤلات لدى خبراء الاقتصاد حول طبيعتها، وما إذا كانت تعبر عن تدفقات رأسمالية أجنبية أم تعتمد على امتصاص السيولة والمدخرات المحلية بالدولار.

غياب الضمانات والاعتماد على «دفعات المشترين»

تعتمد آلية التمويل في معظم المشاريع المعلنة على تحصيل دفعات مالية مسبقة مقومة بالدولار الأمريكي من المشترين، دون إيداع المطورين لضمانات مالية في المصارف الرسمية أو التزامهم بتوفير مساكن ميسرة:

  • مشروع «أبيات هيلز» (ضاحية قدسيا): أعلنت شركة «أبيات» السعودية اكتمال الاكتتاب على أكثر من 2000 وحدة سكنية خلال أقل من 48 ساعة من إطلاقه في 5 أغسطس/آب. وتراوحت دفعة حجز الاهتمام الأولية بين 2000 و10,000 دولار للوحدة، بمتوسط سيولة مجباة يُقدر بنحو 10 إلى 12 مليون دولار.

  • مشاريع يعفور والأجزاء المجاورة: أطلقت مجموعة «إنفست غروب أوفرسيز» مشروع «يعفور 963» الذي يضم 1280 وحدة سكنية تبدأ أسعارها من 300 ألف دولار بآلية سداد تعتمد على دفع 70% أثناء الإنشاء، إلى جانب مشروع «Park View» باستثمار معلن يبلغ 200 مليون دولار.

وتؤكد البيانات الميدانية غياب أدلة كافية على إدخال معدات وآليات إنشائية جديدة من الخارج تناسب حجم المبالغ الضخمة المعلن عنها، مع صمت الجهات المصرفية والرسمية، وفي مقدمتها مصرف سوريا المركزي، عن توضيح حجم التدفقات المالية القادمة من الخارج.

التحليل الاقتصادي: فجوة بين الاستثمار والتدفق المالي

أوضح الباحث الاقتصادي والمالي الدكتور محمد الفقيه، في حديث لـ عنب بلدي، أن الاستثمار الأجنبي المباشر يفترض أن يتجسد في تحويلات مالية عبر الجهاز المصرفي أو استيراد معدات ومكونات إنتاجية من الخارج:

  1. نموذج التمويل المقلوب: يعتمد المطور العقاري في النموذج السائد على أراضي ومقاولين وسلاسل توريد محلية، بينما يمول عمليات البناء من دفعات المكتتبين؛ مما يعني أن العملية تشبه إعادة توزيع للسيولة الموجودة داخل البلاد بدلاً من ضخ رؤوس أموال أجنبية جديدة.

  2. غياب أطر الحماية: تفتقر عملية التمويل الحالية للطبقات الرقابية المعمول بها في الأسواق المنظمة، والتي تلزم المطور بإيداع نسبة محددة بالقطع الأجنبي لدى البنك المركزي ترتبط عمليات سحبها بمراحل الإنجاز الفعلي.

التأثير على سوق الصرف ومعدلات التضخم

يُحذر الخبراء من الآثار الجانبية لتداول العقارات بالدولار حصراً في السوق المحلية:

  • الضغط على سوق الصرف: يُولد التداول العقاري بالدولار طلب دوري متكرر على عشرات الملايين من العملات الأجنبية في السوق، مما يرفع من حدة المضاربة.

  • التضخم والفقر: رغم التحسن في سعر الصرف خلال النصف الأول من عام 2026، سجل متوسط التضخم النصف سنوي مستوى مقارباً لـ 15%، وسط تحذيرات صندوق النقد الدولي في بيانه الصادر في أغسطس/آب من اتساع رقعة الفقر في مختلف المناطق السورية.

إقرأ أيضاً: مشروع بوليفارد النصر في حمص يفتح جدلاً حول الاستثمار وحقوق الأهالي

إقرأ أيضاً: مشاريع العقارات الفاخرة في سوريا.. مليارات للإسمنت الفاخر فيما إعادة الإعمار خارج الأولويات

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.