صادرات الدواء السوري تتوسع خارجياً.. فلماذا يشتريه المواطن بالدين؟
في مفارقة تختصر جانباً من أزمة القطاع الصحي في سوريا، تصل المنتجات الدوائية المحلية إلى أسواق 23 دولة، بينما يعجز بعض السوريين داخل البلاد عن شراء العلاج نقداً، فيضطرون إلى الاستدانة من الصيدليات لتأمين أدوية الأمراض المزمنة.
وبحسب معاون وزير الصحة للشؤون الدوائية هاني البغدادي، تنتج سوريا محلياً نحو 80% من الأصناف الدوائية المطلوبة، وتصدر أكثر من 1200 منتج إلى دول عدة، بينها اليمن والصومال وغانا وأرمينيا ونيجيريا. وتشمل الصادرات أدوية أساسية لعلاج الضغط والسكري والمسكنات، بينما تتركز الواردات في الأدوية النوعية والبيولوجية والمناعية التي لا تنتج محلياً.
لكن هذه الأرقام الإيجابية على مستوى الصناعة لا تنعكس بالضرورة على المريض السوري، الذي يواجه مشكلة مختلفة تماماً: كيف يدفع ثمن دوائه؟
صناعة تصدّر.. ومريض يحسب الحبوب
تكشف تجارب السكان أن المشكلة الأساسية لا تبدو دائماً في سعر الدواء وحده، وإنما في دخل فقد قدرته على مواكبة النفقات.
المتقاعد أيمن الجندي، مثلاً، يحتاج بصورة شهرية إلى أدوية للضغط والسكري، بينها الأنسولين، بينما لا يتجاوز معاشه التقاعدي عشرة آلاف ليرة سورية. وفي ظل هذا الفارق، يصبح شراء العلاج عملية حسابية مؤلمة، ويضطر بعض المرضى إلى أخذ أدويتهم بالدين وتسديد ثمنها لاحقاً.
وحتى مع استقرار أسعار كثير من الأصناف خلال الأشهر الماضية، فإن استقرار السعر لا يعني أن الدواء أصبح في متناول الجميع. فالدواء الذي قد يبدو رخيصاً وفق السعر الاسمي يمكن أن يتحول إلى عبء ثقيل عندما يقارن بدخل شهري محدود.
تفاوت الأسعار ورقابة لا تمنع المشكلة
تظهر شكاوى أخرى من تفاوت أسعار الصنف الدوائي نفسه بين صيدلية وأخرى، فيما تقر وزارة الصحة بوجود صيدليات لا تلتزم بالتسعيرة الرسمية، وتقول إنها تنظم المخالفات عند ثبوت التجاوز.
كما ترتفع أسعار بعض الأصناف المنتجة محلياً، خصوصاً تلك المرتبطة بالأمراض المزمنة أو مشكلات المفاصل، نتيجة ارتفاع كلف التصنيع والمواد الأولية.
وهنا تظهر المشكلة الأوسع: الحكومة السورية الانتقالية مطالبة بضبط سوق الدواء، لكنها في الوقت نفسه تواجه كلفة إنتاج مرتفعة، وضعفاً في القدرة الشرائية، وحاجة إلى استيراد أصناف لا تُنتج محلياً. وبين هذه الضغوط، يبقى المريض الطرف الأقل قدرة على المناورة.
هيئة جديدة.. وخطة لتوطين الأدوية النوعية
تسعى وزارة الصحة إلى تأسيس “هيئة للدواء السورية” وفق معايير دولية، بهدف تنظيم القطاع وتعزيز الرقابة ورفع قدرته على دخول أسواق جديدة.
كما تعمل الوزارة على برنامج لتوطين صناعة الأدوية النوعية، عبر ربط الموافقة على بعض مشاريع التصنيع التقليدي بإنشاء خطوط إنتاج للأدوية المتخصصة.
وقد يمثل هذا التوجه خطوة مهمة لتقليل الاعتماد على الخارج، لكنه يحتاج إلى أكثر من إنشاء هيئة جديدة. فتنظيم السوق لن يحل وحده مشكلة المريض الذي لا يستطيع شراء العلاج، ما لم يترافق مع سياسة سعرية واضحة، ورقابة فعالة، وتأمين مستمر للأصناف، وتحسين فعلي للقدرة الشرائية.
صادرات تتقدم.. والسوق المحلية تنتظر
تقول وزارة الصحة إنها تواصل دراسة التسعيرة الطبية، وإنها توصلت إلى اتفاق لعدم رفع أسعار الأدوية، في محاولة للحفاظ على استقرار السوق، لكنها تقر في الوقت نفسه بوجود نقص في بعض الأدوية النوعية.
وهنا تبدو المفارقة أكثر وضوحاً: قطاع دوائي قادر على التصدير إلى عشرات الأسواق، لكنه لا يزال عاجزاً عن ضمان وصول العلاج إلى كل مريض داخلي من دون استدانة أو تقشف أو تأجيل.
فالنجاح الحقيقي لصناعة الدواء السورية لا يقاس بعدد الدول التي يصل إليها المنتج، بل بقدرة المواطن داخل سوريا على الوصول إلى علاجه في موعده، وبسعر لا يجعله يختار بين الدواء وبقية احتياجات حياته.
اقرأ ايضاً: ارتفاع الأسعار.. أزمة الدواء في سوريا