السيارات الكهربائية في سوريا.. سوق يتسارع والكهرباء لا تزال تلحق به
لم تعد السيارات الكهربائية في سوريا مجرد مشاهد نادرة في شوارع المدن أو تجارب فردية لعدد محدود من الميسورين. خلال أشهر قليلة، انتقلت من هامش السوق إلى واجهة صالات العرض، وظهرت معها شركات متخصصة ومحطات شحن وتجربة تاكسي كهربائي في دمشق، في وقت لا تزال فيه البنية الكهربائية نفسها تكافح لتأمين خدمة مستقرة للمنازل والمنشآت.
هذه المفارقة تلخص المأزق الذي يواجه سوق السيارات الكهربائية في سوريا: التكنولوجيا وصلت بسرعة، لكن شبكة الكهرباء والتشريعات والصيانة والبنية التحتية ما تزال تتحرك خلفها بخطوات أبطأ.
انفتاح السوق يفتح الباب أمام السيارات الصينية
ساعد التحول الاقتصادي الذي شهدته سوريا بعد سقوط النظام السابق وتراجع القيود الغربية على اتساع مساحة الاستيراد، لتدخل سيارات كهربائية صينية جديدة إلى السوق عبر وكلاء ومعارض في دمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية.
وتظهر علامات مثل Skywell وForthing وAvatr وAito وChangan وBYD في السوق، إلى جانب محاولات لبناء شبكات شحن وخدمات صيانة وتشخيص إلكتروني.
وتشير تقديرات مستقلة إلى وجود نحو 1400 إلى 2000 سيارة كهربائية في سوريا، مع عشرات مواقع الشحن الموثقة، لكنها تبقى تقديرات غير رسمية، في ظل غياب سجل وطني موحد يحدد بدقة عدد السيارات ومحطات الشحن.
وهنا تظهر أولى مشكلات الحكومة السورية الانتقالية: سوق تتوسع قبل أن تتوافر قاعدة بيانات واضحة تتيح للدولة أن تعرف حجمها الحقيقي وتوزعها واستهلاكها واحتياجاتها.
سيارة بلا بنزين.. لكنها تحتاج كهرباء
المفارقة الأكثر وضوحاً أن السيارة الكهربائية جاءت إلى بلد ما تزال الكهرباء فيه خدمة غير مستقرة. صحيح أن وضع الشبكة تحسن مقارنة بالسنوات السابقة، لكن التحدي لا يتعلق فقط بعدد ساعات التغذية، بل بقدرة شبكات التوزيع والمحولات والمغذيات المحلية على تحمل أحمال جديدة.
ويرى مختصون أن العدد الحالي من السيارات لا يشكل ضغطاً كبيراً، لكن المشكلة ستظهر عندما تنتقل السوق من بضعة آلاف إلى عشرات الآلاف من السيارات، خصوصاً إذا تركز الشحن في أحياء محددة وفي الساعات نفسها.
فالمشكلة ليست كم سيارة كهربائية يمكن أن تسير في سوريا، بل أين ومتى وكيف ستشحن؟
وهنا تحتاج الحكومة إلى تنظيم الشحن الذكي، وتوزيع الأحمال، وربط بعض المحطات بالطاقة الشمسية والبطاريات، بدلاً من ترك السوق تتوسع بطريقة عشوائية ثم انتظار الأزمة.
أفضلية جمركية.. من دون منظومة مكتملة
منحت التعرفة الجمركية الجديدة السيارات الكهربائية أفضلية مقارنة بعدد من السيارات التقليدية، في خطوة يمكن أن تشجع على انتشارها. لكن خفض الرسم الجمركي لا يصنع سوقاً مستدامة وحده.
فالسيارة الكهربائية تحتاج إلى بنية كاملة: شاحن مطابق للمواصفات، شبكة قادرة على تغذيته، فني قادر على تشخيص البطارية، قطع غيار متاحة، وضمان وصيانة وتحديثات إلكترونية.
والسوق السورية تفتقر حتى الآن إلى إطار تنظيمي متكامل يحدد معايير الشواحن، وشروط تركيبها، وآليات ربطها بالشبكة، والتعرفة، وإدارة الأحمال، وإجراءات السلامة.
البطارية.. الكلفة التي لا تظهر في صالة العرض
قد يبدو شراء سيارة كهربائية مستعملة فرصة لسوري يبحث عن سعر أقل، لكن بطارية السيارة هي الجزء الأغلى والأكثر حساسية فيها. ومع غياب نظام واضح لفحص حالة البطاريات أو إعادة استخدامها وتدويرها، قد يتحول شراء سيارة رخيصة إلى عبء مالي ضخم بعد فترة قصيرة.
كما أن نقص الفنيين المدربين ومعدات التشخيص وقطع الغيار يضع السوق أمام مشكلة أخرى، لأن خبرة إصلاح السيارات التقليدية لا تكفي للتعامل مع بطاريات ذات جهد مرتفع وأنظمة إدارة إلكترونية معقدة.
وهذا يعني أن الحكومة السورية الانتقالية مطالبة قبل توسيع السوق ببناء قطاع صيانة متخصص، لا الاكتفاء بفتح أبواب الاستيراد.
سيارة للنخبة أم بداية نقل جديد؟
حتى الآن، تبدو السيارات الكهربائية أقرب إلى سوق محدودة تضم الشركات والتاكسي والمنشآت وأصحاب الدخول المرتفعة، فيما تجعل الأسعار المرتفعة من الصعب تحولها سريعاً إلى وسيلة نقل شعبية.
ومع ذلك، تحمل هذه السوق فرصة حقيقية لسوريا، بشرط ألا تتعامل الحكومة معها باعتبارها مجرد سلعة مستوردة جديدة.
فالسيارة الكهربائية ليست سيارة فقط، بل جزء من منظومة تبدأ من إنتاج الكهرباء والشبكة، وتمر بالشواحن والبرمجيات والبطاريات، وتنتهي بالصيانة وإعادة التدوير.
والمشكلة أن السوق تتحرك الآن قبل أن تكون الدولة جاهزة لها. وإذا استمر هذا الفارق، فقد تجد سوريا نفسها أمام آلاف السيارات الكهربائية التي وصلت أسرع من القوانين التي تنظمها، وأسرع من الشبكات التي ستشحنها، وأسرع من الكفاءات القادرة على صيانتها.
أما الفرصة، فتتمثل في استغلال المرحلة المبكرة لوضع القواعد قبل اتساع السوق، وإلا فقد تتحول السيارة التي يفترض أن تخفف فاتورة الوقود إلى عبء جديد على شبكة كهرباء لا تزال تبحث عن استقرارها.
اقرأ ايضاً: صناعة السيارات في سوريا.. رهان التعافي أم مشروع تجميع جديد بلا قاعدة إنتاجية؟