الحصبة تعود إلى الحسكة.. حين يصبح اللقاح ضحيةً أخرى لانهيار الصحة في سوريا
لم تعد عودة الحصبة إلى الحسكة مجرد تفشٍّ لمرض يمكن منعه بلقاح، بل باتت علامة إضافية على هشاشة منظومة صحية أنهكتها سنوات الحرب والنزوح وتراجع الاستثمار، فيما يجد الأطفال أنفسهم في مقدمة قائمة الخسائر. وفي بلد يحتاج فيه 16.5 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026، تبدو الوقاية الصحية ترفاً مؤجلاً في مناطق واسعة، رغم أن الحصبة تحديداً لا تحتاج إلى معجزة طبية لمنعها، بل إلى تحصين منتظم يصل إلى الأطفال في الوقت المناسب.
وبحسب منظمة الصحة العالمية، أبلغت السلطات السورية عن 545 إصابة بالحصبة منذ بداية عام 2026، بينها 96 حالة خلال أسبوعين فقط، مع تركز الإصابات في الحسكة وتل تمر ورأس العين وجبل عبد العزيز. وهي أرقام تكشف اتساع الفجوة بين الحاجة الصحية وقدرة المؤسسات على الوصول إلى السكان الأكثر هشاشة.
طفل بلا لقاح.. ومرض كان يمكن تفاديه
في مركدة بريف الحسكة، يروي أحد الآباء كيف بدأ مرض طفله البالغ عاماً ونصف العام بارتفاع شديد في الحرارة، قبل أن يتحول إلى طفح جلدي وحالة صحية قاسية. لم يكن الطفل قد تلقى اللقاح، بعدما أربكت سنوات النزوح والتنقل والاستقرار الهش مواعيد التحصين، وهي قصة تتكرر بأشكال مختلفة بين عائلات المنطقة.
وفي جبل عبد العزيز، تتحدث أم أخرى عن التجربة ذاتها: طفل مريض، حرارة مرتفعة، ليالٍ طويلة من القلق، ثم سؤال متأخر لا ينفع كثيراً: لماذا لم يصل اللقاح في موعده؟
هنا لا تبدو المشكلة في غياب المعرفة الطبية، بل في غياب انتظام الخدمة نفسها. فحين تتنقل العائلة بحثاً عن الأمان، وتضع تأمين الغذاء والماء والسكن قبل كل شيء، تصبح بطاقة اللقاح تفصيلاً يسهل نسيانه، فيما يفترض أن تكون الدولة هي الطرف الذي يتعقب الطفل ويضمن وصول التحصين إليه.
حملة طارئة بعد اتساع الفجوة
أطلقت وزارة الصحة في الحكومة السورية الانتقالية، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية واليونيسف، في 26 تموز حملة طارئة للتلقيح تستمر عشرة أيام وتستهدف الأطفال بين ستة أشهر وخمس سنوات.
وتعمل في مدينة الحسكة 66 فرقة ثابتة وجوالة، إضافة إلى نحو 20 فرقة في رأس العين. لكن اللجوء إلى حملة طارئة بعد تسجيل مئات الإصابات يطرح سؤالاً أكثر إزعاجاً من مجرد عدد الفرق: لماذا وصلت الاستجابة بعد أن عاد المرض إلى الواجهة؟
فالتحصين الناجح لا يُبنى على حملات إسعافية عند ظهور التفشي، وإنما على منظومة روتينية مستقرة، وسجلات صحية قادرة على تتبع الأطفال، وفرق تصل إلى المناطق النائية والمخيمات، وثقة مجتمعية لا تترك الشائعات تملأ الفراغ الذي تصنعه المؤسسات.
الحسكة تدفع فاتورة سنوات الإهمال
يؤكد أطباء وناشطون صحيون أن انخفاض التغطية اللقاحية، وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق، ونقص الكوادر الطبية، وتراجع الإمكانات، كلها عوامل أسهمت في عودة المرض. ويشير طبيب أطفال في تل تمر إلى أن الإصابات تظهر بصورة ملحوظة بين الأطفال غير الملقحين، محذراً من المضاعفات في ظل نقص الاختصاصيين والأدوية والمستلزمات الطبية.
المشكلة، إذاً، تتجاوز الحصبة نفسها. فعودة مرض شديد العدوى كان يمكن احتواؤه بالتحصين تعكس مقدار ما خسرته سوريا من قدرتها على الوقاية قبل أن تتحول المشكلة إلى أزمة.
وقد تكون حملة التلقيح الحالية ضرورية وعاجلة، لكنها لا تعفي الحكومة السورية الانتقالية من السؤال الأصعب: ماذا بعد انتهاء الأيام العشرة؟
إذا بقيت منظومة الرعاية الأولية على هشاشتها، واستمر النزوح، وتراجع التمويل، وبقي الوصول إلى الأطفال رهناً بالظروف الأمنية واللوجستية، فلن تكون الحصبة آخر الأمراض العائدة من ذاكرة ما قبل الحرب. وقد يصبح المشهد الصحي في سوريا أشبه بدائرة مغلقة: مرض يمكن منعه، طفل لا يصله اللقاح، ثم حملة طارئة تأتي بعد فوات جزء من الوقت.
في الحسكة، لا تختبر الحصبة مناعة الأطفال فقط؛ إنها تختبر قدرة الدولة نفسها على أداء أبسط وظائفها: أن تمنع المرض قبل أن يصل إلى سرير الطفل.
اقرأ ايضاً: اللشمانيا تفترس أطفال مخيمات إدلب.. وأزمة النقل تحرمهم من العلاج المجاني