دخان مكبات إدلب.. حين تتحول النفايات إلى أزمة تتنفسها الطرق والمراعي

في إدلب، لا تنتهي النفايات عند حدود المكب. أحيانًا تبدأ منه مشكلة أخرى: دخان يتصاعد في الهواء، وروائح ثقيلة تتمدد مع الريح، ومشهد يتكرر مع ارتفاع درجات الحرارة، كأن المكبات المفتوحة تحولت إلى جزء ثابت من المشهد الخدمي الذي اعتاد السكان التعايش معه.

المشكلة لا تبدو مرتبطة دائمًا بحرق مباشر للنفايات؛ فالتراكم الكبير داخل المكبات المكشوفة يمكن أن يؤدي، مع ارتفاع الحرارة، إلى تفاعلات ذاتية وانبعاث الدخان والغازات والروائح. لكن وجود آثار احتراق في بعض المواقع يفتح الباب أيضًا أمام احتمال اللجوء إلى الحرق للتخلص من المخلفات، في ظل منظومة لم تصل بعد إلى حل جذري لملف النفايات.

وفي مكب مدينة إدلب، الواقع على الطريق الواصل بين المدينة والريف الغربي، لا يبقى الدخان حبيس الموقع. في بعض الفترات يمتد إلى الطريق والأراضي المحيطة، ليضيف إلى مشكلة النفايات عبئًا آخر يتعلق بالسلامة العامة.

طريق يمر من قلب الدخان

يستخدم السائقون الطريق المحاذي للمكب بصورة يومية، ومع اشتداد الدخان تتراجع الرؤية، لتتحول رحلة عادية إلى مسار يحتاج إلى مزيد من الحذر.

يقول سائق الشاحنات أسعد الحمدو لـ«الثورة السورية» إن الدخان يكون كثيفًا أحيانًا إلى درجة تؤثر في وضوح الطريق، ما يدفع السائقين إلى تخفيف السرعة وزيادة مسافة الأمان، ولا سيما سائقي المركبات الكبيرة.

لكن الضرر لا يتوقف عند الطريق. فالمناطق القريبة من المكب تضم مراعي يعتمد عليها مربو المواشي، ويقول الراعي محمد السالم إن الدخان يصل أحيانًا إلى أماكن الرعي، ما يضطره إلى نقل أغنامه إلى مناطق أبعد عند اشتداده.

وهكذا، لا يعود المكب مجرد نقطة للتخلص من المخلفات، بل مصدر إزعاج يلاحق من يمر بجواره ومن يعمل في محيطه.

حلول مؤقتة أمام مشكلة مزمنة

يقر مدير مؤسسة «إي كلين» للنظافة في إدلب، أحمد الياسين، بأن معظم مكبات المحافظة مكشوفة وغير صحية، في ظل غياب مطمر صحي مجهز.

ويوضح أن الدخان قد ينتج عن التفاعلات داخل النفايات نفسها، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة، فيما تتم معالجة الحالات الطارئة حاليًا عبر تبريد المكبات بصهاريج المياه وردمها بالأتربة أو مادة «الجماِش».

لكن هذه الإجراءات، مهما خففت الدخان مؤقتًا، لا تغير حقيقة المشكلة: مكب مكشوف لا يمكن أن يكون حلًا مستدامًا لأزمة نفايات تتسع مع السكان والوقت.

وتشير المؤسسة إلى وجود مساعٍ لبحث مشاريع إعادة التدوير، بينها تواصل مع شركة بولندية، واجتماعات مع محافظة إدلب ومديرية البيئة لدراسة تطوير آليات التعامل مع النفايات. غير أن الانتقال من الاجتماعات إلى منشآت تعمل فعليًا يبقى الاختبار الأصعب.

النفايات تكشف عجز الإدارة الخدمية

الدخان المتصاعد من المكبات ليس سوى العرض الأكثر وضوحًا لخلل أكبر في إدارة النفايات: كميات تتراكم، مواقع لا تستوفي الشروط البيئية، وحلول طارئة يجري استدعاؤها كلما ظهرت المشكلة.

وتحتاج الحكومة السورية الانتقالية إلى الانتقال من منطق إطفاء الحرائق إلى إدارة الملف من جذوره، بدءًا من معرفة حجم النفايات المنتجة يوميًا، وفرزها من المصدر، وتقليص ما يصل إلى المكبات، وصولًا إلى إنشاء مطامر صحية ومنشآت للفرز والتدوير وفق معايير واضحة.

كما أن اختيار مواقع التخلص من النفايات لم يعد تفصيلًا هندسيًا يمكن تأجيله؛ فامتداد التجمعات السكانية وتغير استخدامات الأراضي جعلا بعض المكبات أقرب إلى الطرق والمراعي والمناطق المأهولة.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى متى ستظل معالجة ملف النفايات قائمة على تبريد مكب اليوم، بدل بناء منظومة تمنع اشتعاله غدًا؟

ففي إدلب، لا يصعد الدخان من النفايات وحدها، بل يكشف أيضًا عن أزمة إدارة ما زالت الحكومة السورية الانتقالية تتعامل معها بالحلول المؤقتة، بينما تتراكم المشكلة بصمت تحتها.

اقرأ أيضاً: تراكم النفايات يحاصر مخيمات الشمال السوري وينذر بكارثة صحية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.