قنابل موقوتة: هل تُشعل “قوافل العودة” صراعاً جديداً بين المالكين والمستوطنين؟

تتجلى في المشهد السوري تحركات مكثفة نحو إغلاق ملفات التهجير، حيث تتحول قوافل العودة المعلنة مؤخراً في عدة مناطق من ملف إنساني بامتياز إلى اختبار حقيقي لإمكانية تحقيق الاستقرار الداخلي، وسط تخوفات متزايدة من تحولها إلى فتيل لأزمات أهلية جديدة. فبينما تُقدَّم هذه القوافل إعلامياً وكأنها خطوة لإغلاق ملف المهجرين والنازحين، يكشف الواقع الميداني في مناطق مثل كفريا والفوعة ورأس العين (سري كانيه) عن مأزق قانوني وأمني معقد، يتجلى في غياب أي خطة واضحة للتعامل مع واقع الاستيطان والعقارات المغتصبة، ما يضع المالكين الأصليين والمقيمين الجدد في مواجهة مباشرة قد تقوض كل التفاهمات السياسية الجارية.

1. نموذج كفريا والفوعة: تغطية قانونية لـ “الغنائم العقارية”

منذ تنفيذ “اتفاق المدن الأربع” في تموز/يوليو 2018 بين الفصائل العسكرية والحرس الثوري الإيراني بوساطة قطرية، تشتت سكان مدينتي كفريا والفوعة ذوي الغالبية الشيعية نحو منطقتي السيدة زينب وحرجلة بريف دمشق.

خريطة التقسيم وتثبيت اليد:

  • توزيع القطاعات: تقاسمت هيئة تحرير الشام مع فصائل أخرى (مثل الحزب الإسلامي التركستاني، وأنصار التوحيد، وفيلق الشام، وأحرار الشام) السيطرة على الأحياء والمنازل، ومُنحت الأولوية لـ عائلات المقاتلين.

  • الغطاء العقاري الهش: أشار تحقيق صحفي صادر في حزيران/يونيو 2026 إلى أن المقاتلين الأجانب (الأيغور، الأوزبك، والطاجيك) لجأوا لعمليات صورية لتثبيت ملكية العقارات تحت بند “استرداد تكاليف الترميم والتجهيز”، بتسهيل من جمعيات أهلية مثل “جمعية التعليم والتضامن في تركستان الشرقية”، تحسباً لأي مسار مستقبلي لاستعادة الملكيات.

ورغم مرور سنوات طويلة، يواجه سكان المدينتين الأصليون صعوبات في فتح ملف عودتهم، وسط اتهامات للإدارة الحالية بالتسويق الإعلامي لمعالجة الملفات دون إيجاد حلول فعلية للبنية العقارية التي تم التغيير فيها.

2. رأس العين (سري كانيه): بين اتفاق دمشق و”قسد” والواقع الميداني

تكررت هذه الديناميكية في شمال شرق سوريا عقب عملية “نبع السلام” عام 2019، التي أدّت لتهجير أكثر من 150 ألف شخص، وتوزع أكثر من 32 ألف مهجر منها في مخيمي واشوكاني وسري كانيه بمحافظة الحسكة.

مسار الاتفاق والتحضير للعودة:

بناءً على التفاهمات المبرمة بين الحكومة السورية و”قسد” في 29 كانون الثاني/يناير 2026، جرى إعداد قوائم لتسيير قوافل عودة تضم 648 عائلة نحو قرى تل تمر وزركان والقرى الجنوبية، إضافة لـ 140 عائلة نحو أحياء المحطة والعبرة بمركز مدينة رأس العين.

العقبات الميدانية والتوتر الاجتماعي:

  • البنية التحتية والمخاطر الأمنية: كشفت تقارير ميدانية أن أغلب القرى العائدة تفتقر مقومات الحياة، وتنتشر فيها الأنفاق والعبوات الناسفة نتيجة تحولها لسنوات إلى خطوط تماس عسكري.

  • الربط السياسي وحل الإدارة: تحول ملف العودة إلى شرط تفاوضي يسبق الإعلان الرسمي عن حل “قسد” والإدارة الذاتية، وهو ما يفسر بطء المسار الدبلوماسي وتصريحات الرئاسة السورية حول المهل الزمنية.

  • الاحتكاك المباشر: تسببت محاولات بعض العائدين لاستكشاف منازلهم أو محالهم التجارية في بروز توترات واعتداءات مع مستوطنين جدد أقاموا في تلك العقارات لسنوات، في ظل غياب قوات حماية أمنية محايدة.

3. مأزق “العودة بلا خطة”: إخلاء عشوائي أم فتيل أزمة؟

يطرح الخبراء القانونيون والمحللون الاجتماعيون تساؤلات جوهرية حول الآلية التي تُدار بها ملفات العودة دون اتخاذ خطوات تضمن السلامة والأمان:

“إن إعلان قوافل العودة دون وضع خطة متكاملة لمعالجة وضع المستوطنين الحاليين – سواء أكانوا متضررين بحسن نية أم جرى إسكانهم عبر فصائل مسلحة – يُحيل الصراع الإداري إلى اشتباك ميداني مباشر بين الأهالي العائدين والمقيمين الحاليين.”

   [ اتفاقيات سياسية / قوافل عودة ]
                   │
                   ▼
  [ غياب أطُر التعويض والإسكان البديل ]
                   │
                   ▼
[ احتكاك مباشر بين المالكين والمستوطنين ] ───► [ تجدد النزاعات الأهلية والميدانية ]

متطلبات معالجة الملكية والتعويضات:

  1. قضية التعويضات: غياب رؤية واضحة للتعويض عن الأضرار أو توفير إسكان بديل للمستوطنين الذين لا يملكون مأوى آخر.

  2. الغطاء القانوني: عدم وجود لجان قضائية مستقلة للفصل في الملكيات، وحصر الأزمات الميدانية بين المالكين والمقيمين.

  3. التوظيف الإعلامي: الاعتماد على الشكليات الإعلامية وإطلاق القوافل كوسيلة لإظهار المكاسب السياسية دون حل جذر المشكلة المتمثل في حماية حقوق الملكية.

الخلاصة

دون إطار قانوني ملزم، ولجان فض نزاعات عقارية، وخطات استجابة لإعادة الإعمار والتعويض، ستبقى قرارات العودة المعلنة في 2026 مجرد مسكنات مؤقتة، حيث يتحول الاستقرار الصوري إلى فتيل لأزمات أهلية واجتماعية جديدة تقوض الأمن والسلم المحليين.

إقرأ أيضاً: توترات وأعمال عنف تخلّل وصول أول قافلة للعائدين إلى رأس العين/سري كانيه

إقرأ أيضاً: بين الوعود والواقع.. المقاتلون الأجانب يعطلون عودة أهالي الفوعة وكفريا

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.