تجربة الاغتراب عند الشباب: اختبار المسؤولية وصياغة الهوية بين النجاح والحنين
يكشف الاغتراب عن وجوه متعددة لتجربة إنسانية مر بها آلاف الشباب الذين غادروا أوطانهم دراسةً أو عملاً. ولم تكن الهجرة مجرد انتقال مكاني، بل شكلت محطة فارقة أعادت صياغة شخصياتهم، واختبرت قدرتهم على التكيف وتحمل المسؤولية في المجتمعات الجديدة، مع بقاء الحنين إلى الأهل والوطن حاضراً في تفاصيل حياتهم.
1. الغربة كدافع للنضج والاعتماد على الذات
تتضمن تجارب الشباب المغتربين محطات من التحدي والصمود وبناء الذات، وهو ما تعكسه شهاداتهم الميدانية:
-
د. أحمد سليمان (ألمانيا): واجه في بداية رحلته صعوبات التأقلم مع المجتمع الجديد ومشاعره تجاه الوحدة. ومع الوقت، تمكن من بناء مسيرته العلمية والمهنية، واكتسب مهارات عززت ثقته بنفسه. ويرى أن الغربة منحته الخبرة، لكنها زادت من تمسكه بوطنه.
-
سارة عثمان (إيطاليا): خاضت تجربة الدراسة عبر منحة علمية فرضت عليها استقلالية كاملة. ورغم اكتسابها مهارات اتخاذ القرار والخبرة العلمية، إلا أن البعد عن دفء العائلة في المناسبات أوجد رغبة دائمة في نقل خبراتها لخدمة مجتمعها الأصلي.
2. الاغتراب كمختبر نفسي وتربوي لبناء الشخصية
توضح الدكتورة لميس عبد الرزاق، الأستاذة في كلية التربية بجامعة طرطوس، أن هجرة الأبناء أصبحت قضية إنسانية واجتماعية ذات أبعاد نفسية وتربوية متداخلة.
وأشارت عبد الرزاق إلى النقاط التالية:
-
اختبار التنشئة: تمثل الغربة الميدان الحقيقي لاختبار القيم والتربية التي غرستها الأسرة في أبنائها ومدى قدرتهم على الاستقلالية.
-
الأسرة العابرة للحدود: أدت الهجرة إلى بروز مفهوم “الأسرة العابرة للحدود”، حيث حل التواصل الرقمي والافتراضي محل اللقاءات الفردية واليومية.
-
توجيه الحنين: يُمكن للحنين أن يتحول إلى قوة دافعة للنجاح والإنجاز إذا أُحسن توجيهه، أو أن يغدو عبئاً نفسياً إذا أعاق الاندماج.
3. التوازن بين الهوية الوطنية والاندماج الثقافي
ترتبط نجاحات تجربة السفر والعيش في الخارج بقدرة الشاب على تحقيق توازن مرن بين الحفاظ على هويته الوطنية والجذور الثقافية، وبين الانفتاح على مجتمعات الاغتراب والاستفادة من تجاربها.
وتؤكد الدراسات التربوية أن قيمة الهجرة لا تُقاس بالمكاسب المادية أو الدرجات العلمية فحسب، بل بالأثر التراكمي الذي تتركه في نضج الشخصية وتعزيز الحس بالمسؤولية.
إقرأ أيضاً: طلاب الطب اللاجئون بين قرارات التعليم العالي وأعباء الغربة
إقرأ أيضاً: كيف تحول دور المرأة السورية في ألمانيا من الرعاية إلى قيادة الأسرة والاندماج؟