جسور الفرات تعود ببطء.. مشاريع إعادة الربط تكشف فجوة البنية التحتية في الشرق السوري

بين ضفتي الفرات، لا تزال الجسور المدمرة تختصر قصة عقد كامل من الانهيار الذي أصاب شبكة النقل في المحافظات الشرقية. فهذه المنشآت التي كانت شرايين للحركة التجارية واليومية تحولت خلال السنوات الماضية إلى نقاط انقطاع عزلت مناطق عن أخرى، وأجبرت الأهالي والشاحنات على البحث عن طرق بديلة أكثر كلفة ومشقة.

اليوم، تتواصل أعمال إعادة تأهيل عدد من الجسور في دير الزور والرقة ضمن محاولات لإعادة وصل ما انقطع، إلا أن بطء المشاريع وحجم الأضرار المتراكمة يعكسان تحدياً أكبر من مجرد إصلاح منشآت إسمنتية؛ إنه تحدي إعادة بناء بنية تحتية أنهكتها سنوات الحرب والإهمال وضعف الاستثمار.

مشاريع تتقدم وسط طريق طويل من الخراب

تؤكد وزارة الأشغال العامة والإسكان أن أعمال إعادة تأهيل الجسور تسير وفق البرامج الزمنية المحددة، حيث يجري التنفيذ عبر المؤسسة السورية للبناء والتشييد بالتنسيق مع الجهات المعنية.

وبحسب معاون وزير الأشغال العامة والإسكان للشؤون الفنية المهندس ماهر خلوف، فقد بلغت نسبة الإنجاز في مشروع إعادة إنشاء جسر السياسية على نهر الفرات نحو 20 بالمئة، فيما تتواصل الأعمال في عدد من الجسور الأخرى وفق الأولويات الفنية.

لكن هذه النسب، رغم أهميتها، تبدو محدودة أمام حجم الاحتياجات في المحافظتين، إذ لا تزال عشرات المواقع تنتظر دورها في التأهيل، وسط واقع خدمي هش جعل النقل بين المناطق الشرقية معركة يومية بالنسبة للسكان والقطاعات الاقتصادية.

وأوضح خلوف أن تحديد أولويات مشاريع الجسور يعود إلى وزارة النقل والمؤسسة العامة للمواصلات الطرقية، فيما تتولى المؤسسة السورية للبناء والتشييد الجانب التنفيذي وفق الإمكانيات المتاحة.

دير الزور.. جسور مؤقتة فوق أزمة دائمة

في دير الزور، حيث يشكل نهر الفرات فاصلاً جغرافياً واقتصادياً بين مناطق واسعة، تحاول الجهات المعنية معالجة آثار الانهيار بحلول إسعافية إلى جانب المشاريع الدائمة.

وقال مدير فرع المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية في دير الزور المهندس عبد الكريم الخضر إن تأهيل جسر عين أبو جمعة على طريق دير الزور – الرقة أُنجز، فيما وصلت أعمال جسر عياش إلى نحو 90 بالمئة.

أما جسر السياسية، الذي بدأت أعمال إعادة تأهيله في أيار الماضي، فيُعد من أبرز المشاريع الحالية، نظراً لأهميته في إعادة الربط بين مناطق المحافظة.

كما أُنجزت دراسة مشروع جسر الميادين، تمهيداً للبدء بتنفيذه، بينما أُدرجت مشاريع أخرى ضمن خطة عام 2026 تشمل جسور عياش والطريف والتبني والصالحية والسويعية والعشارة.

وفي انتظار اكتمال المشاريع الكبرى، لجأت الجهات المحلية إلى حلول مؤقتة، بينها تركيب جسور حربية مقدمة من تركيا، وتأهيل جسور مؤقتة لضمان استمرار حركة المواطنين بين ضفتي الفرات.

غير أن هذه الحلول، رغم ضرورتها، تعكس حجم الفجوة بين الحاجة الفعلية وقدرة المؤسسات على تنفيذ مشاريع دائمة تنهي الاعتماد على البدائل المؤقتة.

إعادة الإعمار أمام اختبار القدرة لا النوايا

تواجه مشاريع الجسور تحديات فنية وميدانية معقدة، خصوصاً على مجرى نهر الفرات، بسبب تغير مناسيب المياه، والحاجة إلى معدات هندسية ثقيلة، إضافة إلى صعوبة تأمين بعض التجهيزات المتخصصة.

وأكدت الجهات المنفذة أن المؤسسة السورية للبناء والتشييد تعتمد على برامج تنفيذ مرنة لمواجهة هذه التحديات، وتمتلك الرافعة الانسحابية الثقيلة الوحيدة من هذا النوع في البلاد، ما يمنحها قدرة على تنفيذ المشاريع الكبرى.

لكن الخبراء يرون أن أزمة الجسور لا تختزل في الجانب الهندسي فقط، بل ترتبط بغياب رؤية طويلة الأمد لإدارة قطاع النقل وإعادة تأهيله بعد سنوات من التدمير.

فإصلاح جسر هنا وآخر هناك قد يعيد حركة المرور مؤقتاً، لكنه لا يعالج شبكة طرق تحتاج إلى إعادة بناء شاملة، وتمويل مستقر، وخطط واضحة تتجاوز الحلول الطارئة.

الشرق السوري ينتظر أكثر من جسر

تمثل الجسور في دير الزور والرقة أكثر من منشآت عبور؛ فهي شرايين تربط الأسواق والمزارعين والطلاب والعمال، وتحدد قدرة المناطق على التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

ومع استمرار الحكومة السورية الانتقالية في تنفيذ مشاريع التأهيل، يبقى نجاح هذه الجهود مرتبطاً بقدرتها على الانتقال من سياسة معالجة الأضرار إلى بناء منظومة بنية تحتية مستدامة.

فالشرق السوري لا يحتاج فقط إلى جسور تعبر فوق الفرات، بل إلى جسور تعبر به من مرحلة الإنقاذ المؤقت إلى مرحلة إعادة بناء حقيقية، بعد سنوات طويلة دفعت خلالها هذه المحافظات ثمن انهيار الخدمات وتراجع الاهتمام الرسمي.

 

اقرأ أيضاً: دير الزور على ضفتي أزمة.. تعطل الجسور يشعل الأسعار ويعيد الأهالي إلى زمن “العبّارات”

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.