دير الزور على ضفتي أزمة.. تعطل الجسور يشعل الأسعار ويعيد الأهالي إلى زمن “العبّارات”
لم يعد نهر الفرات في دير الزور مجرد فاصل جغرافي بين ضفتي المدينة، بل تحول خلال الأيام الماضية إلى حاجز اقتصادي يضاعف معاناة السكان ويعمّق أزمة المعيشة. فمع خروج الجسور الترابية والإسعافية عن الخدمة نتيجة ارتفاع منسوب المياه، عادت “العبّارات” البدائية لتؤدي دور الشريان الوحيد بين الضفتين، في مشهد يعيد المحافظة سنوات إلى الوراء ويكشف هشاشة البنية التحتية التي ما تزال عاجزة عن مواكبة أبسط الاحتياجات اليومية.
“العبّارات” تفرض اقتصادها الخاص
في دير الزور اليوم، لا تُحدد أسعار النقل وفق تسعيرات رسمية أو معايير واضحة، بل وفق معادلة تفرضها الضرورة وغياب البدائل. إذ يدفع أصحاب السيارات الصغيرة ما يصل إلى 50 ألف ليرة سورية لعبور النهر، بينما ترتفع التكلفة إلى 100 ألف ليرة للمركبات المتوسطة، وتصل إلى أكثر من 200 ألف ليرة للشاحنات الكبيرة في بعض الحالات.
هذا الواقع خلق سوقًا موازية للنقل النهري، تتحكم بها إمكانات محدودة ووسائل بدائية، فيما يجد التجار أنفسهم مضطرين لتحمل تكاليف إضافية ومخاطر متزايدة لضمان وصول بضائعهم إلى الأسواق.
الغلاء يعبر النهر مع البضائع
لم تتوقف الأزمة عند حدود النقل، بل امتدت مباشرة إلى موائد السكان. فكل ليرة إضافية تُدفع على المعابر النهرية تنعكس تلقائيًا على أسعار السلع الأساسية.
ويؤكد تجار في المدينة أن ارتفاع أجور الشحن بات جزءًا من التكلفة النهائية للمنتجات، خصوصًا الخضراوات والمواد الغذائية القادمة من الأرياف. وبينما تتراجع أسعار بعض السلع في مناطق الإنتاج، تصل إلى أسواق المدينة بأسعار أعلى بسبب تكاليف العبور والانتظار الطويل أمام المعابر المؤقتة.
الأزمة هنا لا تصنعها الأسعار وحدها، بل حالة عدم اليقين التي تفرضها وسائل نقل متهالكة تفتقر إلى أدنى شروط السلامة، ما يجعل كل رحلة عبور مغامرة مفتوحة على احتمالات الخسارة والغرق.
طوابير انتظار ومطالب بحلول عاجلة
مع تكدس الشاحنات والمركبات على ضفاف النهر، تتسع دائرة الخسائر الاقتصادية يومًا بعد يوم. ويشكو التجار من غياب الرقابة على أجور النقل ومن العشوائية التي تحكم حركة العبور، فيما تتزايد الدعوات لتدخل حكومي سريع يضع حدًا للفوضى ويؤمن بديلاً أكثر استقرارًا.
ويطالب الأهالي بإنشاء جسر إسعافي أو ترابي مؤقت يعيد ربط الضفتين ويخفف الضغط عن المعابر النهرية، محذرين من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى مزيد من الارتفاع في الأسعار واستنزاف القدرة الشرائية للسكان.
خطط حكومية… والواقع ينتظر التنفيذ
في المقابل، أعلنت وزارة النقل مؤخرًا عن خطة تتجاوز قيمتها 37 مليون دولار لإعادة تأهيل شبكة الطرق والجسور في محافظة دير الزور، إلى جانب دراسة إنشاء جسور جديدة وفق معايير هندسية حديثة.
لكن بالنسبة لسكان المحافظة، تبقى هذه الوعود مؤجلة أمام أزمة يومية تتفاقم مع كل يوم يمر. فبين مشاريع المستقبل ومعاناة الحاضر، يجد أهالي دير الزور أنفسهم عالقين على ضفتي الفرات، يدفعون ثمن غياب الجسور مرتين؛ مرة من جيوبهم، ومرة من استقرار حياتهم المعيشية.
اقرأ أيضاً: طريق الرقة – أثريا.. شريان حيوي يتحول إلى طريق للمخاطر وحصد الأرواح