أزمة اللاجئين السوريين تتجاوز العودة.. الأمم المتحدة تحذر من تضييق اللجوء وسوريا تواجه اختبار التعافي

بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على اندلاع واحدة من أكبر موجات النزوح في العصر الحديث، لا تزال مأساة السوريين تتجاوز حدود المخيمات وخيام اللجوء. فبينما تتحدث الأمم المتحدة عن بوادر عودة لآلاف اللاجئين السوريين، تبدو الطريق إلى الاستقرار أبعد من مجرد عبور الحدود، في ظل اقتصاد منهك، وبنية تحتية مدمرة، وخدمات عامة عاجزة عن استيعاب ملايين العائدين.

وفي وقت تتصاعد فيه القيود المفروضة على حق اللجوء عالمياً، يجد ملايين السوريين أنفسهم عالقين بين خيار البقاء في دول اللجوء وسط سياسات أكثر تشدداً، أو العودة إلى واقع لا يزال يفتقر إلى كثير من مقومات الحياة الأساسية.

اللجوء لم ينتهِ… بل تبدلت أشكاله

خلال فعالية نظمتها الأمم المتحدة في جنيف بمناسبة مرور 75 عاماً على اعتماد اتفاقية اللاجئين، دعا المفوض السامي لشؤون اللاجئين برهم صالح إلى الانتقال من إدارة أزمة النزوح إلى البحث عن حلول تنهيها بصورة مستدامة، محذراً من تصاعد الخطاب السياسي الذي يحول اللاجئين إلى شماعة لأزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية داخل عدد من الدول.

ويأتي هذا التحذير بينما لا يزال السوريون يشكلون إحدى أكبر مجموعات اللاجئين في العالم، إلى جانب لاجئي فنزويلا وأوكرانيا وأفغانستان والسودان، ضمن نحو 35.6 مليون لاجئ ترعاهم المفوضية، من أصل 117.8 مليون شخص أُجبروا على النزوح قسراً حتى نهاية عام 2025.

ورغم تسجيل أول انخفاض عالمي في أعداد النازحين منذ أكثر من عقد، فإن هذا التراجع ارتبط بعودة قسم من اللاجئين إلى بلدانهم، بما فيها سوريا، وسط ظروف لا تزال توصف بأنها هشة ومحفوفة بالمخاطر.

عودة بلا مقومات كافية

تتحدث الأمم المتحدة عن عودة نحو 1.7 مليون لاجئ ومليوني نازح داخلي منذ كانون الأول 2024، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن نحو 5.5 ملايين شخص ما زالوا نازحين داخل سوريا، فيما يحتاج 15.6 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، وتُقدّر كلفة إعادة الإعمار بأكثر من 216 مليار دولار.

وتكشف هذه الأرقام أن العودة وحدها لا تعني انتهاء الأزمة، فغياب الخدمات الأساسية، وتراجع فرص العمل، وضعف البنية التحتية، كلها عوامل تجعل الاستقرار الفعلي أكثر تعقيداً من مجرد تسجيل أعداد العائدين.

ورغم حديث الحكومة السورية الانتقالية عن خطط للتعافي وإعادة الإعمار، فإن الإنجازات الميدانية ما تزال دون مستوى التحديات المتراكمة، بينما لا تزال برامج إعادة الإدماج والخدمات الأساسية تسير بوتيرة أبطأ من حجم الاحتياجات، الأمر الذي يثير تساؤلات حول قدرة المؤسسات على استيعاب موجات عودة أوسع خلال المرحلة المقبلة.

الأمم المتحدة: نافذة لا ينبغي إضاعتها

بالتزامن مع هذه التطورات، أطلقت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حملة عالمية بعنوان الوعد، بهدف تجديد الالتزام الدولي بحماية اللاجئين، تمهيداً للمنتدى العالمي للاجئين عام 2027.

وأكد برهم صالح أن العالم مطالب بالوفاء بالالتزامات التي أقرها قبل 75 عاماً، مشيراً إلى أن معالجة النزوح لا تقتصر على توفير المساعدات الإنسانية، بل تبدأ بحماية حق الإنسان في اللجوء، وتنتهي بتهيئة ظروف العودة الآمنة والكريمة.

وفي السياق نفسه، رأت الخبيرة الأممية المستقلة باولا غافيريا بيتانكور أن سوريا تمتلك فرصة لتحويل أزمة النزوح إلى مسار للتعافي، لكنها شددت على أن ذلك يتطلب دعماً دولياً طويل الأمد، وتمويلاً مستقراً، وسياسات تضمن إعادة الإدماج وحماية الحقوق الأساسية للعائدين.

لكن بين التفاؤل الأممي والواقع السوري، تبقى الفجوة واسعة. فالتعافي لا يُقاس بعدد العائدين فقط، بل بقدرة الدولة على تأمين مقومات الحياة لهم، وإعادة بناء المؤسسات والاقتصاد والخدمات. وحتى يتحقق ذلك، سيظل ملايين السوريين يعيشون بين وطن لم يستعد عافيته بالكامل، وعالم يضيق تدريجياً أمام طالبي اللجوء، لتبقى أزمة النزوح مفتوحة على أسئلة أكبر من مجرد العودة.

 

اقرأ أيضاً: الأمم المتحدة: الانتقال السياسي بسوريا يواجه تحديات الهشاشة ومطالب بالمساءلة والشمول

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.