مياه الصرف الصحي تهدد غذاء السوريين.. والرقابة الحكومية عاجزة عن وقف المخالفات

لم يعد القلق في الأسواق السورية يقتصر على ارتفاع الأسعار، بل امتد إلى سؤال أكثر خطورة: هل ما نشتريه صالح للأكل أساساً؟ ففي ظل أزمة المياه التي تضرب القطاع الزراعي، وتراجع الرقابة، وضعف الإجراءات الرادعة، تحولت بعض الحقول في ريف دمشق إلى بيئة لري الخضراوات بمياه الصرف الصحي، لتنتقل الأزمة من الحقول إلى موائد السوريين، وسط عجز واضح للحكومة السورية الانتقالية عن احتواء واحدة من أخطر القضايا المرتبطة بالأمن الغذائي.

في أحد أسواق ريف دمشق، يقف محمد عبد الكريم متردداً أمام بائع الخضراوات، يقلب جرزة نعنع بين يديه، ويشمها أكثر من مرة قبل أن يعيدها إلى مكانها. لم يعد يثق بسهولة بما يشتريه، بعدما امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بتحذيرات عن ري بعض المحاصيل بمياه الصرف الصحي، فأصبح الشك يرافق كل عملية شراء، والخوف جزءاً من السلة الغذائية اليومية.

لكن هذه المخاوف لا تولد في الأسواق، بل تبدأ من الحقول، حيث وجد بعض المزارعين أنفسهم أمام معادلة قاسية؛ إما ترك الأرض تموت عطشاً، أو اللجوء إلى مصادر مياه ملوثة للحفاظ على الموسم.

بين الجفاف وغياب البدائل

يقول المزارع محمود الأحمد إن أزمة الري لم تعد مجرد مشكلة موسمية، بل تحولت إلى معركة يومية مع الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج، موضحاً أن كثيراً من المزارعين أصبحوا عاجزين عن تأمين المياه النظيفة مع تراجع المياه الجوفية وارتفاع كلفة ضخها.

هذه الظروف دفعت بعضهم إلى استخدام مياه الصرف الصحي، ليس باعتبارها خياراً آمناً، بل باعتبارها آخر الخيارات المتاحة لتجنب خسارة المحصول، في مشهد يعكس عمق الأزمة التي يعيشها القطاع الزراعي، وفشل السياسات الحكومية في توفير حلول مستدامة لإدارة الموارد المائية.

رقابة ضعيفة وعقوبات محدودة

يعترف مدير زراعة دمشق وريفها، الدكتور زيد أبو عساف، برصد مخالفات لري الأراضي الزراعية بمياه الصرف الصحي في مناطق عدة، بينها الكسوة ودوما وداريا، موضحاً أن المديرية تشكل لجاناً لإتلاف المحاصيل المخالفة وتنظيم الضبوط بحق أصحابها.

إلا أن الاعتراف ذاته يكشف حجم الخلل، إذ يقر المسؤول بأن ضعف قيمة المخالفات، ونقص الآليات والإمكانات، يحدان من قدرة الجهات المختصة على فرض الردع، الأمر الذي يسمح بتكرار هذه الممارسات.

ويعكس ذلك، وفق مراقبين، قصوراً في أداء الحكومة السورية الانتقالية، التي اكتفت بملاحقة بعض المخالفات، دون معالجة الأسباب الأساسية للأزمة، وعلى رأسها نقص مصادر الري الآمنة، وغياب الاستثمارات الكافية في مشاريع معالجة المياه، وتراجع الدعم الموجه للقطاع الزراعي.

مكاسب مؤقتة… وأضرار طويلة الأمد

ويؤكد المهندس الزراعي فياض خلف اليوسف أن مياه الصرف الصحي تحتوي بالفعل على عناصر غذائية قد تغري بعض المزارعين باستخدامها، لأنها تقلل الحاجة إلى شراء الأسمدة مرتفعة الثمن، إلا أن هذه الفائدة لا تصمد أمام حجم المخاطر.

فالمياه غير المعالجة تحمل بكتيريا وفيروسات وطفيليات قادرة على الانتقال مباشرة إلى الإنسان، خاصة عبر الخضراوات الورقية التي تُستهلك نيئة، كما تؤدي مع مرور الوقت إلى تراكم الأملاح والمعادن الثقيلة داخل التربة، وتراجع خصوبتها، ما يهدد مستقبل الإنتاج الزراعي نفسه.

ويشدد اليوسف على أن معالجة هذه المياه تقلل جزءاً من المخاطر، لكنها لا تجعل استخدامها آمناً في ري المحاصيل الورقية، داعياً إلى التوسع في محطات المعالجة، واعتماد تقنيات ري حديثة، وهي مشاريع ما تزال تتقدم ببطء رغم اتساع الأزمة.

أزمة صحة عامة

من جانبه، يحذر طبيب الداخلية عمر العبد من أن استهلاك الخضراوات المروية بمياه الصرف الصحي قد يؤدي إلى انتقال أمراض معوية وطفيليات وعدوى بكتيرية وفيروسية، مؤكداً أن غسل الخضراوات لا يكفي لضمان السلامة الكاملة.

ويرى أن الوقاية تبدأ من الحقل، عبر منع استخدام المياه الملوثة، لا من مطبخ المستهلك، وهو ما يتطلب رقابة أكثر صرامة، وتشريعات أكثر ردعاً، وتأمين مصادر مياه بديلة للمزارعين.

وفي ظل استمرار أزمة المياه، وغياب حلول حكومية فعالة، تبدو سلامة الغذاء في سوريا رهينة ظروف استثنائية تتفاقم عاماً بعد آخر. فحين يصبح المزارع مضطراً للاختيار بين خسارة موسمه أو تعريض صحة الناس للخطر، فإن المشكلة لم تعد مخالفة فردية، بل انعكاساً لأزمة إدارة وغياب سياسات قادرة على حماية الزراعة، وصون الأمن الغذائي، واستعادة ثقة السوريين بما يصل إلى موائدهم.

 

اقرأ أيضاً: ريف دمشق: تسمم أكثر من 100 شخص في “كفر العواميد” بسبب تلوث المياه

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.