831 مليون دولار شهرياً.. فجوة النفط والغاز تكشف تحديات تمويل الطاقة في سوريا
تكشف أرقام عرضها وزير الطاقة السوري محمد البشير أمام مجلس الشعب عن اتساع الفجوة بين إنتاج سوريا من النفط والغاز وحجم احتياجاتها، إذ تحتاج البلاد إلى نحو 831 مليون دولار شهرياً لتأمين النفط الخام والمشتقات النفطية، بالتزامن مع اعتمادها على استيراد كميات من الغاز لتشغيل محطات توليد الكهرباء.
وتأتي هذه الأرقام في وقت تواجه فيه السوق السورية نقصاً في المحروقات وارتفاعاً في أسعارها، بينما تعمل وزارة الطاقة، وفق تصريحات البشير، على إعادة تأهيل الآبار والحقول والمصافي وخطوط النقل، واستقطاب استثمارات جديدة بهدف رفع الإنتاج وتقليص الاعتماد على الخارج.
لكن المشكلة لا تتعلق بالإنتاج وحده، إذ تواجه الوزارة أيضاً تحديات في تكرير النفط ونقله، إلى جانب صعوبات في تأمين القطع الأجنبي وتمويل الواردات. وفي هذا السياق، قال البشير خلال جلسة الاستماع، الأحد 20 أيلول/سبتمبر، إن سوريا «لا يوجد لديها اليوم سويفت»، وهو تصريح يتعارض ظاهرياً مع إعلانات سابقة لمصرف سوريا المركزي تحدثت عن استئناف الاتصال بشبكة التحويلات المالية الدولية.
إنتاج النفط لا يغطي نصف الاحتياجات
بحسب الأرقام التي عرضها وزير الطاقة، تنتج سوريا حالياً نحو 112 ألف برميل من النفط يومياً، مقابل احتياجات تصل إلى نحو 300 ألف برميل يومياً، ما يترك فجوة تقدر بنحو 200 ألف برميل يومياً يجري تأمينها من الخارج.
وتضم البلاد، وفق البشير، نحو 78 حقلاً نفطياً، بينما كان الإنتاج يصل في السابق إلى نحو 140 ألف برميل يومياً. وتعمل الوزارة على إعادة تأهيل عدد من الآبار وإعادتها إلى الإنتاج، فيما أغلقت آبار أخرى مؤقتاً بهدف تنفيذ أعمال التأهيل.
كما بدأت الوزارة، بحسب الوزير، إعداد دراسة جديدة للمخزون والاحتياطات ووضع خريطة للنفط والغاز، في إطار خطط تستهدف زيادة الإنتاج خلال السنوات المقبلة.
ولا تتوقف الفجوة عند كمية النفط المستخرجة، إذ ترتبط أيضاً بقدرة المصافي على معالجة الخام. وتبلغ القدرة التكريرية في سوريا نحو 150 ألف برميل يومياً، بينما تستورد البلاد مشتقات نفطية بمعدل مماثل، ما يعكس محدودية قدرة المصافي المحلية على تلبية الطلب من الخام المتاح.
ارتفاع الطلب يوسع فجوة المحروقات
في المقابل، ارتفع الطلب على الوقود بصورة كبيرة خلال الفترة الأخيرة. وقال البشير إن احتياجات سوريا من المحروقات زادت من نحو 150 ألف برميل يومياً عام 2025 إلى نحو 300 ألف برميل حالياً.
وربط الوزير ارتفاع الطلب بتوسع نطاق المناطق التي تدخل ضمن مسؤولية وزارة الطاقة، بما في ذلك مناطق في شمال شرقي البلاد، إضافة إلى نمو المدن الصناعية وارتفاع عدد المركبات.
وبحسب بيانات الوزارة، ارتفع عدد السيارات في سوريا من نحو 2.5 مليون إلى 3.6 ملايين سيارة، بينما يصل الاستهلاك اليومي إلى نحو 12 مليون لتر من المازوت و8 ملايين لتر من البنزين.
كما تستهلك محطات توليد الكهرباء والمنشآت الصناعية نحو 8500 طن من الفيول يومياً، إلى جانب نحو 1300 طن من الغاز المنزلي، ما يزيد الضغط على منظومة تأمين المشتقات والمواد اللازمة لتشغيل قطاعات الطاقة والنقل والصناعة.
فجوة الغاز تضغط على الكهرباء
تشهد سوق الغاز فجوة مماثلة، إذ ارتفع الإنتاج المحلي، بحسب البشير، من نحو 6 ملايين إلى 8 ملايين متر مكعب يومياً، لكنه لا يزال أقل بكثير من احتياجات محطات توليد الكهرباء الجاهزة، والتي تقدر بنحو 24 مليون متر مكعب يومياً.
وتستورد وزارة الطاقة حالياً نحو 6.3 ملايين متر مكعب من الغاز يومياً، بتكلفة تقارب 140 مليون دولار شهرياً.
وبحسب الوزارة، يأتي الغاز المستورد من أذربيجان ومن سفينة موجودة في ميناء العقبة الأردني، فيما ساهم ارتفاع أسعار الغاز في الأسواق العالمية في زيادة كلفة تأمين الكميات اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء.
وتواجه شركة الكهرباء في الوقت نفسه مشكلة مالية، إذ تبلغ ديونها لصالح الجهة التي تشتري الغاز وتورده نحو 1.65 مليار دولار. كما يؤثر انخفاض الجباية، نتيجة عدم قدرة السوريين على دفع فواتير الكهرباء المرتفعة، في قدرة الشركة على تسديد قيمة الغاز وتأمين الكميات المطلوبة.
وتتوقع وزارة الطاقة أن تتضاعف احتياجات سوريا من الكهرباء بحلول عام 2030 نتيجة النمو الاقتصادي، ما يجعل تأمين الغاز أحد الملفات الأساسية المرتبطة بقدرة البلاد على زيادة إنتاج الكهرباء.
مصافٍ متقادمة وخطوط نقل تحتاج إلى إعادة تأهيل
إلى جانب نقص الخام والغاز، تواجه البنية التحتية للطاقة مشكلات تؤثر في قدرة البلاد على الاستفادة من مواردها المحلية.
وقال البشير إن مصفاة حمص لا تزال تعمل رغم حالتها الفنية، إلى حين إنشاء مصافٍ جديدة، بينما خضعت مصفاة بانياس لعملية عمرة كاملة بسبب حاجتها الملحة إلى الصيانة.
وفي قطاع النقل، وصف الوزير خط كركوك–بانياس بأنه متهالك، مشيراً إلى أن العراق يعمل على إعادة تأهيله عبر تحالف من الشركات. كما تعمل دمشق على استكمال الخط العربي القادم من الأردن، بتكلفة تقدر بنحو 250 مليون دولار على حساب الشركة السورية للبترول.
وسجلت وزارة الطاقة، وفق تصريحات البشير، 22 اعتداءً على خطوط النفط خلال العام الحالي، كما أزالت أكثر من 1400 تعدٍ على خط نقل النفط الثقيل، وأنجزت نحو 80% من أعمال صيانته.
وتعني هذه المعطيات أن زيادة إنتاج النفط لا تكفي وحدها لتقليص فجوة الطاقة، إذ تحتاج سوريا بالتوازي إلى تطوير المصافي وشبكات النقل والخزانات والبنية التحتية المرتبطة بقطاعي النفط والغاز.
لماذا تحتاج سوريا إلى الاستيراد رغم إنتاجها النفطي؟
تظهر أرقام الوزارة مفارقة في سوق النفط السورية، إذ إن وجود إنتاج محلي لا يعني بالضرورة القدرة على تغطية الطلب على الوقود.
وأوضح البشير أن جزءاً من الإنتاج المحلي يتكون من النفط الثقيل الذي لا يمكن تكرير جزء منه داخل سوريا، بينما يجري تخزين جزء آخر قبل تصديره. أما إنتاج النفط الخفيف فيتراوح بين 20 و25 ألف برميل يومياً، وفق عرضه أمام مجلس الشعب.
وبالتالي، فإن كمية النفط المستخرجة ليست العامل الوحيد الذي يحدد حاجة البلاد إلى الاستيراد، إذ تلعب نوعية الخام وقدرة المصافي وحجم الطلب المحلي دوراً في تحديد كمية المشتقات التي يمكن توفيرها من الإنتاج المحلي.
831 مليون دولار.. ضغط إضافي على التمويل
تقدر فاتورة تأمين النفط الخام والمشتقات النفطية بنحو 831 مليون دولار شهرياً، وفق الرقم الذي عرضه وزير الطاقة. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الدولة تدفع المبلغ نفسه بصورة ثابتة كل شهر، إذ تتغير الكميات والأسعار والعقود وفق ظروف السوق.
لكن الرقم يعكس حجم التمويل المطلوب لتأمين احتياجات الطاقة، في وقت تحتاج فيه سوريا أيضاً إلى نحو 140 مليون دولار شهرياً لاستيراد الغاز.
ووضع البشير تأمين القطع الأجنبي في مقدمة التحديات التي تواجه الوزارة، وقال إن تأخر توفيره كان أحد أسباب عدم وصول بعض شحنات النفط والمشتقات المستوردة إلى سوريا، إضافة إلى تأثير العقوبات في عمليات تأمين المشتقات.
وهنا يرتبط ملف الطاقة مباشرة بقدرة النظام المصرفي على إجراء التحويلات الخارجية وتأمين المدفوعات اللازمة للواردات.
«لا يوجد لدينا سويفت».. ماذا يقصد التصريح؟
خلال جلسة مجلس الشعب، قال البشير إن سوريا «لا يوجد لديها اليوم سويفت»، مضيفاً أنها لم تستطع الدخول إلى الأسواق المالية وإجراء التحويلات المالية، وذلك في سياق حديثه عن الصعوبات التي تواجه الوزارة في تأمين النفط والغاز والقطع الأجنبي.
ويأتي التصريح بعد سلسلة إعلانات رسمية خلال عام 2025 تحدثت عن عودة سوريا إلى شبكة SWIFT.
ففي 19 حزيران/يونيو 2025، قال حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية إن سوريا نفذت أول تحويل مصرفي دولي مباشر عبر «سويفت» منذ نحو 14 عاماً، بين بنك سوري وبنك إيطالي.
وفي 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أعلن مصرف سوريا المركزي إرسال الحصرية أول رسالة إلى مراسلي المصرف حول العالم عبر «سويفت»، وقالت وكالة سانا إن الخطوة جاءت إيذاناً باستئناف العمل عبر الشبكة بعد توقف دام 14 عاماً.
وبعد أسبوع، تحدث المصرف المركزي مجدداً عن «عودة الاتصال عبر نظام سويفت»، بالتزامن مع إعداد إطار تنظيمي لإعادة تفعيل علاقات المراسلة بين المصارف السورية والأجنبية.
الاتصال بسويفت لا يعني بالضرورة حرية التحويلات
قدّم الحصرية لاحقاً توضيحاً لطبيعة عودة «سويفت». ففي مقابلة نشرتها «اندبندنت عربية» في 23 كانون الأول/ديسمبر 2025، قال إن رسائل سويفت استؤنفت فعلياً، لكنه أوضح أن ذلك لا يعني عودة فورية وكاملة للتحويلات عبر جميع المصارف.
وفي شباط/فبراير 2026، قال وزير الاقتصاد والصناعة محمد نضال الشعار إن نظام سويفت متوفر تقنياً للمصارف السورية، لكنه تحدث عن وجود «مقاومة في التعامل معه حتى الآن» من مؤسسات مالية دولية، والحاجة إلى إقناع دوائر الامتثال والمصارف الأجنبية بسلامة التعامل مع النظام المصرفي السوري.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي يونس الكريم لـ«الحل نت» إن الإعلانات السابقة عن عودة سويفت إلى سوريا تعلقت أساساً بالجانب التقني، موضحاً أن سويفت شبكة لتبادل الرسائل المالية الآمنة بين المصارف والمؤسسات المالية وليست نظاماً يحتفظ بالأموال أو ينفذ عمليات التسوية بنفسه.
وبحسب الكريم، فإن رفع العقوبات الأميركية أزال عائقاً قانونياً رئيسياً أمام عودة التعاملات المصرفية الدولية مع سوريا، لكنه لا يعني تلقائياً أن المصارف السورية أصبحت قادرة على استخدام الشبكة بصورة واسعة وطبيعية.
وأشار إلى أن الاستخدام الفعلي يتطلب امتثال المصارف لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإجراءات «اعرف عميلك» وفحص العقوبات، إضافة إلى وجود بنوك مراسلة أجنبية مستعدة للتعامل معها وفتح حسابات مراسلة وتسوية المعاملات.
وأوضح أن هناك فرقاً بين اتصال مصرف بشبكة سويفت وقدرته على إرسال واستقبال الرسائل المالية، وبين امتلاكه قنوات مصرفية دولية فعالة تتيح تحويل الأموال وتسويتها.
وبحسب الكريم، فإن بعض التعاملات التي جرت عبر QNB لا يمكن اعتبارها دليلاً بمفردها على عودة شبكة المراسلة المصرفية بصورة شاملة إلى القطاع المصرفي السوري، إذ ارتبطت، وفق المعلومات التي أوردها، ببعض المدفوعات والالتزامات والخدمات المرتبطة بعملاء أو مستثمرين وأجانب.
خطة الاكتفاء الذاتي بحلول 2028
تضع وزارة الطاقة عام 2028 موعداً مستهدفاً لتحقيق الاكتفاء الذاتي من النفط، بينما قال البشير إن الوصول إلى مستويات مرضية من إنتاج الغاز قد يحتاج إلى نحو سبع سنوات.
وتشمل الخطة، وفق الوزارة، إعادة تأهيل الآبار والحقول ورفع الإنتاج، إلى جانب استقطاب استثمارات أجنبية من شركات كبرى والتعاقد مع دول منتجة للنفط لتأمين الاحتياجات خلال المرحلة الانتقالية.
لكن تقليص الاعتماد على الاستيراد يتطلب معالجة أكثر من جانب في وقت واحد. فزيادة إنتاج الخام تحتاج إلى قدرة أكبر على تكريره، وشبكات نقل وخزانات أكثر كفاءة، فيما يتطلب رفع إنتاج الكهرباء تأمين كميات مستقرة من الغاز.
كما يبقى توفير التمويل والقطع الأجنبي عاملاً أساسياً لتنفيذ مشاريع التأهيل والاستثمار، خصوصاً مع حجم الإنفاق المطلوب لتأمين النفط والمشتقات والغاز.
وبذلك، تواجه الحكومة فجوة في قطاع الطاقة تتداخل فيها عدة عوامل، من انخفاض الإنتاج مقارنة بالطلب، إلى محدودية التكرير ومشكلات خطوط النقل، وصولاً إلى صعوبات تمويل الواردات والعلاقات المصرفية الدولية. أما تحقيق هدف الاكتفاء الذاتي النفطي في 2028، فيرتبط وفق المعطيات المطروحة بقدرة الوزارة على تحويل خطط إعادة التأهيل والاستثمار إلى زيادة فعلية ومستدامة في الإنتاج.
اقرأ أيضاً:وزير الطاقة: إنتاج الكهرباء يرتفع إلى 3500 ميغاواط والديون تتجاوز 1.6 مليار دولار