السياحة في سوريا بين انتعاش الأرقام وواقع الاقتصاد المأزوم

https://damapost.com/?p=121777&preview=true

رغم الأرقام التي تتحدث عن انتعاش لافت في حركة السياحة في سوريا خلال النصف الأول من عام 2026، إلا أن الطريق نحو تحويل هذا النمو إلى مكاسب اقتصادية حقيقية لا يزال مليئاً بالعقبات. فبينما تتحدث الحكومة السورية الانتقالية عن استعادة الثقة بالوجهة السورية وعودة البلاد إلى خارطة السياحة الإقليمية والدولية، يرى اقتصاديون أن السياحة لا تستطيع وحدها إنقاذ اقتصاد يعاني من انهيك البنية التحتية وضعف الخدمات وتراجع الاستثمار الحقيقي.

وبحسب بيانات وزارة السياحة، بلغ عدد الزوار إلى سوريا خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري نحو 3.52 ملايين زائر، مقارنة بـ1.67 مليون خلال الفترة ذاتها من عام 2025، بزيادة بلغت 111 بالمئة. وشكل السوريون المغتربون النسبة الأكبر من إجمالي القادمين، تلاهم الزوار العرب ثم الأجانب الذين سجلوا أعلى نسبة نمو مقارنة بالعام الماضي.

أرقام واعدة… وواقع أكثر تعقيداً

تعتبر وزارة السياحة هذه المؤشرات دليلاً على عودة الثقة بالسوق السورية، وترى أن ارتفاع أعداد الزوار يشكل نقطة جذب جديدة للاستثمارات في الفنادق والضيافة والخدمات السياحية، مع توقعات باستمرار النمو خلال الموسم الصيفي.

غير أن هذا التفاؤل يصطدم بواقع مختلف على الأرض، إذ لا تزال البنية التحتية السياحية تعاني آثار سنوات الحرب والإهمال، بينما تواجه المدن السياحية نقصاً في الخدمات الأساسية، من الكهرباء والمياه إلى النقل والمرافق العامة، فضلاً عن ارتفاع الأسعار الذي يجعل حتى السياحة الداخلية عبئاً على شريحة واسعة من السوريين.

السياحة لا تعالج أزمة الاقتصاد

ويرى الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل أن ارتفاع أعداد الزوار يمثل مؤشراً إيجابياً على تحسن صورة سوريا الخارجية، لكنه لا يكفي للحكم على تعافي الاقتصاد، لأن القيمة الحقيقية لا تقاس بعدد القادمين فقط، بل بحجم إنفاقهم، ومدة إقامتهم، ومدى استفادة الاقتصاد المحلي من هذه الأموال.

ويشير إلى أن دخول القطع الأجنبي عبر القطاع السياحي قد يخفف جزءاً من الضغوط على الليرة السورية، إلا أن ذلك يبقى محدود الأثر إذا استمرت القطاعات الإنتاجية، كالصناعة والزراعة، في حالة التراجع، وإذا بقيت البيئة الاستثمارية تعاني من البيروقراطية وضعف التمويل وتدهور البنية الخدمية.

كما يلفت إلى أن استمرار الاعتماد على المنتجات المستوردة في تلبية احتياجات القطاع السياحي يقلل من العائد الاقتصادي الحقيقي، لأن جزءاً كبيراً من الإيرادات يغادر البلاد مجدداً عبر الاستيراد.

فرصة مهددة بالتقصير الحكومي

ورغم حديث الحكومة السورية الانتقالية عن بناء اقتصاد تقوده السياحة، إلا أن هذا الهدف، وفق مراقبين، لا يزال يفتقر إلى مقومات التنفيذ. فالقطاع يحتاج إلى استثمارات ضخمة في الفنادق والمطارات والطرق والمواقع الأثرية، إلى جانب تطوير خدمات النقل والدفع الإلكتروني والرعاية الصحية والنظافة العامة، وهي ملفات ما تزال تعاني ضعفاً واضحاً.

ويؤكد مختصون أن جودة تجربة السائح أصبحت اليوم عاملاً حاسماً في بناء السمعة الدولية، وأن أي خلل في الخدمات أو البنية التحتية قد يبدد سريعاً الثقة التي بدأت تتشكل بعد سنوات من العزلة.

وفي الوقت نفسه، تبقى السياحة من أكثر القطاعات قدرة على خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتنشيط المشاريع الصغيرة والحرف التقليدية والأسواق المحلية، لكنها لن تتحول إلى رافعة اقتصادية حقيقية ما لم تُدمج ضمن خطة تنموية شاملة تعالج الاختلالات البنيوية في الاقتصاد السوري.

وفي ظل هذه المعادلة، تبدو الزيادة في أعداد الزوار فرصة تستحق الاستثمار، لكنها ليست ضمانة للتعافي. فالأرقام وحدها لا تبني اقتصاداً، ولا تعيد الثقة تلقائياً، ما دامت الحكومة السورية الانتقالية عاجزة عن مواكبة هذا النمو بإصلاحات حقيقية، وبنية تحتية قادرة على استيعاب الطلب، ورؤية اقتصادية تتجاوز الاحتفاء بالإحصاءات إلى صناعة تنمية مستدامة.

 

اقرأ أيضاً: السياحة السورية: أكثر من 3.5 ملايين زائر لسوريا في النصف الأول من 2026

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.