غلاء الفروج يضرب مطاعم دمشق والركود يتجاوز النصف

يواصل ارتفاع أسعار الفروج إلقاء ظلاله الثقيلة على الحركة الشرائية في شوارع العاصمة السورية دمشق، إذ لم يتوقف تأثيره عند محال بيع اللحوم والدواجن، بل امتد ليشمل المطاعم ومنافذ الوجبات السريعة التي تعتمد عليه كعنصر رئيسي في إعداد الشاورما والبروستد والسندويشات الغربية.

ومع كل موجة غلاء جديدة، تسارع المطاعم إلى تعديل قوائم أسعارها فورًا، في حين يلاحظ المستهلكون استقرار الأسعار عند مستوياتها المرتفعة حتى عند تراجع أسعار المادة الخام، ما يطرح علامات استفهام حول أسباب هذا الارتباط ومدى قدرة المواطنين على تحمّل هذه الأعباء المالية المتزايدة

جولة ميدانية.. قفزات قياسية في أسعار السندويش والوجبات

أظهرت جولة رصد ميدانية أجرتها جريدة “عنب بلدي” على مطاعم الوجبات السريعة في أسواق دمشق، شملت الحمراء والصالحية وأبو رمانة والشعلان والصناعة والشام القديمة، ارتفاعًا ملحوظًا في الأسعار عقب الموجة الأخيرة لغلاء الفروج؛ إذ سجل سعر سندويشة الشاورما تراوحًا بين 22 و30 ألف ليرة سورية بعدما كان بين 15 و25 ألفًا، بينما ارتفع سعر الوجبة منها إلى حدود تراوحت بين 40 و55 ألف ليرة مقارنة بـ 34 إلى 45 ألفًا سابقًا

ولم تكن السندويشات الغربية مثل الفاهيتا والشيش طاووق والكريسبي والسكالوب بمعزل عن هذه الموجة، إذ تراوح سعر السندويشة بين 30 و50 ألف ليرة بعد أن كان بين 25 و40 ألفًا، ووصلت أسعار الوجبات منها إلى مستويات تراوحت بين 40 و70 ألف ليرة بعدما كانت بين 35 و55 ألفًا. وفي الوقت نفسه، قفزت أسعار وجبات البروستد والمسحب لتلامس حدود 125 ألف ليرة سورية بعد أن كانت تُباع بنحو 100 ألف ليرة أو أقل

وفي المقابل، سجلت أسعار أجزاء الفروج في الأسواق مستويات متفاوته؛ حيث تراوح سعر كيلو الفروج الكامل بين 25 و34 ألف ليرة، وكيلو “شرحات الدجاج” بين 65 و76 ألفًا، في حين تراوح سعر كيلو “الوردة” بين 35 و38 ألفًا، وسعر كيلو الجوانح بين 28 و35 ألف ليرة سورية

أصحاب المطاعم: الغلاء تطور طبيعي لتضاعف التكاليف

يؤكد عدد من أصحاب وباعة الشاورما والمأكولات الغربية في دمشق أن الارتفاع الأخير في أسعار المأكولات يعود بالدرجة الأولى إلى زيادة أسعار الفروج بنسبة تراوحت بين 30 و40%، إلى جانب ارتفاع أسعار السلع الأساسية الأخرى، وإيجارات المحال التجارية، وأجور العمالة التي تشهد زيادة مستمرة لمواكبة التضخم

وفي هذا السياق، أوضح ماجد المعراني، وهو صاحب محل للوجبات السريعة في دمشق، أن مادة الفروج تشكل نحو 50% من التكلفة الإجمالية للسندويش والوجبات

وبالتالي فإن أي زيادات في أسعار المادة الخام تنعكس تلقائيًا على المنتج النهائي. وأشار المعراني إلى أن الحركة الشرائية شهدت تراجعًا حادًا، حيث انخفض إقبال الزبائن على شراء الوجبات الكاملة بنسبة تُقدر بنحو 50 إلى 60%، بينما انخفض الإقبال على السندويش بنسبة تتراوح بين 20 و30%

ومن جانبه، أيّد خليل الصالحي، وهو بائع آخر للشاورما والمأكولات الغربية، هذا الطرح، مؤكدًا أن ارتفاع أسعار الفروج يمثل العامل الأساسي لزيادة الأسعار، يضاف إليه ارتفاع مستلزمات التحضير كالزيت، إلى جانب الإيجارات المتصاعدة وأجور العمال التي ترتفع باستمرار تحت ضغط موجات الغلاء المتتالية

قراءة اقتصادية ورسائل حماية المستهلك: تضخم مركب وغياب للخفض

تطرق أمين سر جمعية حماية المستهلك في دمشق، عبد الرزاق حبزة، إلى الجانب الرقابي من الأزمة، مبينًا أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن فقط في تسارع رفع الأسعار عند ارتفاع سعر الفروج، بل في امتناع المطاعم عن خفضها عند تراجع أسعار المادة الخام

ومؤكدًا أن مبدأ تحرير الأسعار لا يعني ترك الأسواق دون ضوابط تنظيمية وحماية للمستهلك

من جهته، فكّك الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي الدكتور عبد الرحمن محمد بنية التكلفة، موضحًا أن الفروج يمثل ما بين 35 و45% من التكلفة الإجمالية للوجبة، إلا أنه ليس العنصر الوحيد المؤثر، إذ تتداخل معه تكاليف المحروقات والنقل، والأعلاف المستوردة المرتبطة بسعر الصرف، فضلًا عن إيجارات المحال وأجور العمالة وأسعار زيوت القلي وغاز الصناعة.

ووصف الدكتور محمد الحالة الراهنة بأنها “تضخم تكاليف مركب”، يجعل من سعر الفروج العامل الأكثر وضوحًا للمستهلك، بينما يختفي خلفه شريط طويل من النفقات التشغيلية التي تتكبدها المطاعم

الوجبات السريعة تخرج من حسابات ذوي الدخل المحدود

تسبب الغلاء المستمر في تحويل الوجبات الجاهزة بالنسبة لغالبية الأسر السورية من خيار غذائي اعتيادي إلى سلعة ترفيهية بعيدة المنال.

وأشار الدكتور عبد الرحمن محمد إلى أن الأسعار الحالية قد تكون منطقية من حيث تغطية تكاليف الإنتاج للمطاعم، إلا أنها تتجاوز بمراحل القدرة الشرائية للمواطنين، لافتًا إلى أن المطاعم لجأت إلى أساليب كتقليص حجم الوجبات أو الاعتماد على أجزاء أقل تكلفة من الفروج لتفادي رفع الأسعار إلى مستويات أشد قسوة، كما أصبح الشراء سلوكًا موقوتًا يرتبط في الغالب بفترات استلام الرواتب الشهري

وفي السياق نفسه، شدد عبد الرزاق حبزة على أن معظم العائلات لم تعد قادرة على شراء هذه الوجبات بشكل منتظم، موضحًا أن سعر بعض وجبات البروستد قد يصل إلى نحو 150 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ يعادل أجر عدة أيام عمل لموظف يتقاضى راتبًا ماهريًا يصل إلى مليون ليرة، ما يجعل هذه الوجبات خارج القدرة المادية لشرائح واسعة من المجتمع

مقترحات للتوازن: بين التسعير الاسترشادي ودعم مستلزمات الإنتاج

قدم الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الرحمن محمد مجموعة من الحلول لمعالجة الأزمة من جذورها، تبدأ بترشيد تكاليف إنتاج الفروج عبر ضبط أسعار الأعلاف وسعر الصرف، واقتراح تقديم دعم مؤقت للوجبات الشعبية من خلال تفاهمات مع الموردين، وتقليص دور الوسطاء، وتشجيع طرح وجبات اقتصادية تناسب القدرة الشرائية، بالإضافة إلى تمويل مستوردات الأعلاف بسعر صرف تفضيلي مقابل إعطاء سقوف سعرية محددة للفروج

من جانبه، جدد عبد الرزاق حبزة دعوته إلى اعتماد أسعار استرشادية للوجبات تُحدد بناءً على التكلفة الحقيقية وهامش ربح منصف للمنتج، بما يحقق التوازن المنشود بين متطلبات اقتصاد السوق وحماية المستهلك، مشددًا على أهمية تفعيل الرقابة الميدانية لمنع استمرار ثبات الأسعار المرتفعة بعد انخفاض تكاليف الإنتاج.

 

اقرأ أيضاً:أسعار الفروج تحلّق في سوريا.. فجوة الإنتاج تكشف هشاشة سوق الدواجن أمام الأزمات

اقرأ أيضاً:أسعار الألبان والأجبان في سوريا تواصل الصعود.. المواطن يقلّص مائدته أمام أزمة الإنتاج والرقابة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.