انعقاد مجلس الشعب السوري وجدل المرحلة الانتقالية: بين بناء المؤسسات وطرح قانون الأحزاب
أعاد انعقاد أولى جلسات مجلس الشعب السوري عقب إعلان تشكيله في منتصف تموز/يوليو 2026، فتح باب النقاش حول شكل الحياة السياسية في سوريا، والدور المناط بالمؤسسات التشريعية الجديدة في إدارة المرحلة الانتقالية وصياغة المستقبل السياسي للبلاد.
ورغم اقتصار الجلسة الافتتاحية على الجوانب التنظيمية، إلا أنها أعادت ملف التعددية الحزبية وإصدار قانون الأحزاب إلى صدارة اهتمامات النخب السياسية والمحللين، وسط انقسام الرؤى حول أولويات المرحلة بين استحقاق التأسيس الحزبي الفوري أو التركيز على الاستقرار المؤسسي.
تباين الأولويات: استحقاق سياسي أم بناء مؤسساتي أولاً؟
يتوزع الجدل السياسي حول ملف الأحزاب في سوريا ضمن اتجاهين رئيسيين:
-
الاتجاه الأول (أولوية التأسيس الفوري): يرى أن إقرار قانون الأحزاب وفتح المجال أمام القوى السياسية هو الركيزة الأساسية للتحول الديمقراطي، وأن احتواء الاختلافات السياسية داخل أطر حزبية ومؤسساتية يمنع انتقال الخلافات إلى الشارع أو تحولها إلى استقطابات طائفية أو قومية.
-
الاتجاه الثاني (أولوية التدرج والبناء): يرجح التركيز الحالي على معالجة الملفات الاقتصادية، والأمنية، والخدمية المتراكمة، معتبرين أن البيئة المؤسساتية الحالية غير مكتملة بعد لتنافس حزبي قائم على برامج سياسية واقتصادية ناضجة.
طبيعة المجلس الانتقالي وغياب الكتل الحزبية
يقر مراقبون ومحللون سياسيون بأن غياب الكتل الحزبية الفاعلة عن المجلس التشريعي الحالي لا يعني بالضرورة غياب التعددية؛ إذ تشكلت الهيئة التشريعية في ظروف استثنائية فرضتها طبيعة المرحلة الانتقالية بعد عقود من الحكم الشمولي، مما جعلها هيئة انتقالية محددة المدة لمراجعة التشريعات وتسيير الأعمال، وليست برلماناً دائماً ناتجاً عن انتخابات تنافسية.
ويُبرز التقييم التحليلي لهذه المرحلة النقاط التالية:
1. ضرورة إصدار قانون عصري للأحزاب
تتطلب المضي قدماً نحو التعددية إصدار قانون حديث للأحزاب يضمن:
-
تبسيط إجراءات الترخيص وتكافؤ الفرص.
-
وضع ضوابط قانونية حازمة تجرّم خطاب الكراهية والتحريض الطائفي أو العنصري.
-
تشجيع الأحزاب القائمة على برامج تنموية تتجاوز الأيديولوجيات المغلقة.
2. تجاوز إرث الحزب الواحد
أثبتت التجارب التاريخية للحكم أن احتكار العمل السياسي يُضعف مؤسسات الدولة. وتقتضي المرحلة الانتقالية تجاوز الأحزاب العقائدية نحو “أحزاب البرامج” القادرة على الاستجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها البلاد.
3. الحوار الوطني وشكل المؤسسات
يشدد محللون على أهمية توسيع قاعدة المشاركة عبر حوار وطني شامل يضم مختلف القوى النخبية والمجتمعية، مع إعادة النظر في التسميات والمفاهيم المرتبطة بعهد الحكم السابق (مثل تسمية “مجلس الشعب” وتفضيل مصطلحات كـ “البرلمان” أو “مجلس النواب”) لتعزيز انطباع التغيير المؤسسي.
خريطة الطريق المقترحة لمستقبل الحياة السياسية
لتفادي الفراغ السياسي أو إعادة إنتاج تجارب الاستقطاب، تتبلور الرؤية التحليلية لمستقبل العمل الحزبي وفق خارطة طريق تدريجية:
[حوار وطني شامل حول قانون الأحزاب] ← [إصدار التشريعات والضوابط القانونية] ← [تأطير العمل الحزبي القائم على البرامج] ← [إجراء انتخابات نيابية تنافسية]
تظل التجربة السياسية السورية في مرحلتها الانتقالية أمام اختبار دقيق يوازن بين الحاجة إلى الاستقرار الأمني والاقتصادي من جهة، وتوفير المساحة المشروعة للتعددية الحزبية التي تشكل الضمانة لبناء عقد اجتماعي جديد.
إقرأ أيضاً: هل يمثل مجلس الشعب السوري الجديد تحولاً ديمقراطياً أم إعادة تدوير للسلطة؟
إقرأ أيضاً: مجلس الشعب السوري بين صراع المناصب وتوازنات المرحلة الانتقالية هل تؤجل الخلافات ولادة المؤسسة التشريعية؟