منظومة الرواتب الجديدة في سوريا.. محاولة لإنقاذ الأجور من الانهيار أم إعادة ترتيب لأزمة مزمنة؟

بعد سنوات من تآكل قيمة الرواتب وتحول الوظيفة العامة من مصدر استقرار إلى عبء معيشي، تفتح وزارة المالية في الحكومة السورية الانتقالية ملفاً طال انتظاره: إعادة بناء منظومة الأجور في القطاع العام.

لكن خلف العنوان الكبير “العدالة الوظيفية” تختبئ أسئلة أكثر تعقيداً؛ فهل تستطيع الدولة التي أنهك اقتصادها الانهيار والتضخم أن تقدم نموذجاً جديداً للرواتب؟ وهل يكون الإصلاح القادم بداية لمعالجة أزمة بنيوية، أم مجرد محاولة جديدة لإدارة تراجع مستمر في القدرة الشرائية؟

راتب لا يعكس جهداً ولا يكفي حياة

تقول وزارة المالية إن المنظومة الجديدة تهدف إلى بناء سلم رواتب موحد يراعي المؤهل والخبرة وطبيعة العمل والمسؤولية، ويضع حداً للفوارق غير المنطقية بين العاملين في مؤسسات الدولة.

لكن خبراء اقتصاديين يرون أن المشكلة أعمق من مجرد تعديل أرقام الرواتب؛ إذ إن النظام الحالي، الذي تشكل على مدى عقود، أنتج حالة من “المساواة الشكلية” التي ساوت بين الموظف المجتهد وغيره، وأضعفت الحافز، ودفع كثيراً من أصحاب الخبرة إلى البحث عن فرص خارج القطاع العام أو خارج البلاد.

ويرى الاقتصادي إبراهيم نافع قوشجي أن ارتباط الأجر بالرتبة الوظيفية فقط جعل الكفاءة والخبرة عناصر هامشية في تحديد الدخل، ما حول الوظيفة الحكومية تدريجياً إلى مسار غير جاذب للكفاءات.

إصلاح مالي وسط اقتصاد هش

وزير المالية محمد يسر برنية يؤكد أن الحكومة تعمل على إقرار منظومة متكاملة للرواتب بالتزامن مع قانون الخدمة المدنية، مشيراً إلى أن الزيادات السابقة ليست نهاية المطاف، وأن الهدف هو الوصول إلى أجور قادرة على المنافسة مع دول الجوار.

لكن هذه الوعود تصطدم بتحدٍ أساسي: قدرة الدولة على التمويل.

فالاقتصاد السوري لا يزال يواجه أزمات متراكمة، من ضعف الموارد إلى التضخم وتراجع الإنتاج، ما يجعل أي زيادة مالية معرضة لفقدان أثرها سريعاً إذا لم تترافق مع سياسات تضبط ارتفاع الأسعار وتحمي القيمة الحقيقية للدخل.

ويحذر خبراء من أن رفع الرواتب دون معالجة أسباب التضخم قد يحول الزيادة إلى رقم جديد في سلسلة أرقام فقدت معناها أمام ارتفاع تكاليف المعيشة.

من سلم جامد إلى نظام قائم على الكفاءة

يقترح خبراء اقتصاديون أن تقوم المنظومة الجديدة على تقييم الوظائف وليس فقط تصنيف الموظفين، بحيث يرتبط الأجر بمستوى المسؤولية والخبرة وطبيعة العمل، مع منح بدلات إضافية للوظائف الصعبة أو التخصصات النادرة.

كما يطرح بعضهم نموذج “نظام النقاط المرن”، الذي يسمح بربط الدخل بعوامل مثل المؤهل العلمي، سنوات الخبرة، التدريب، تقييم الأداء، وظروف العمل.

لكن تطبيق مثل هذا النموذج يتطلب تغييراً إدارياً واسعاً، يبدأ من تحديث قانون العاملين، وإنشاء قواعد بيانات دقيقة، واعتماد آليات تقييم شفافة بعيداً عن المحسوبيات التي طبعت جزءاً كبيراً من الإدارة العامة خلال العقود الماضية.

اختبار الثقة بين الموظف والدولة

لا تكمن أزمة الرواتب في سوريا فقط في حجم المبلغ الذي يتقاضاه الموظف، بل في العلاقة المتآكلة بين العامل والدولة. فالموظف الذي فقد القدرة على تأمين احتياجاته الأساسية لا يبحث فقط عن زيادة مالية، بل عن نظام يشعره بأن جهده له قيمة ومستقبله الوظيفي ليس رهناً بالظروف المتغيرة.

وبينما تراهن الحكومة السورية الانتقالية على أن تكون منظومة الرواتب الجديدة مدخلاً لإصلاح الإدارة العامة، يبقى نجاحها مرتبطاً بقدرتها على تجاوز منطق الحلول المؤقتة.

ففي بلد أُنهكت مؤسساته خلال سنوات طويلة، لن يكون تغيير شكل الراتب كافياً وحده؛ إذ تحتاج الدولة إلى إعادة بناء منظومة كاملة تجعل الأجر انعكاساً للعمل والكفاءة، لا مجرد محاولة متأخرة لملاحقة انهيار معيشي مستمر.

 

اقرأ أيضاً: زيادة الرواتب في سوريا.. حين يبتلع سعر الصرف راتب الموظف

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.